في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية..

حسين جلبي

في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية يولد ـ ربما ـ كل ألف عام أحد العظماء، لا أحد يفهمه، لا أحد يلتفت إليه، و ربما لا أحد يراه، و إن رأته الأمة، فهي تجده غريب الأطوار، تجد أفكاره مجنونه، و كلامه هذيان، سلوكه شائن، و حياته غيمةُ صيفٍ عابرة، فهو متمردٌ على رحم الأمة، و خارجٌ على نواميس الكون الكردي.

في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية، تضحي الشهادةُ عاراً، و الشهيد إحراجاً، و القصة كلها تبعث على الخجل.

أقصر الطرق لمحو العار و للتخلص من الإحراج و لدفن الخجل، هو رميه، رمي الشهيد، في أقرب فرصة، وأده في الحفرة التالية تحت جنح الظلام، بعد محو بصمات القاتل، و بعد إزالة آثار الجريمة، و بعد ترميم الجثة، و اعتبار الحدث قضاءً و قدراً، أو كأنه لم يكن.
في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية ، ثمةَ من لا يصدق دم الشهيد، ثمة من لا يصدق مقدمات حفلة الدم و لا خواتمها، ثمة من يقطع الحبل السري الواصل بينهما و الذي ينشر عليه القاتل صورته، ثمة من يرسم صورةً أخرى نمطية للقاتل حتى لا يتعب رأس الأمة، لذلك يحرق الشهيد، ينثر رماده في فضاء الأمة، ينشرها شائعاتٍ سوداء تتساقط كالأمطار، فتجرف سيولها الشهيد و كل ما يمت إليه بصلة.
في أمة كالأمة الكردية، ثمةَ من ينكر الشهيد، لكنهُ يعيشُ على هامشه، يتغذى على فتاته، يسقي صحراءه بدمه المنهمر قطرةً قطرة، ثم يتصدر الوليمة، فيأكل من لحمهِ حد التخمة، و يشرب نخب موته، كؤوساً مليئةً من دمه المعتق.
في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية السياسة هي الملعب الذي يلتقي فيه الجميع، على البساط ذاته يمارس الجميع كل الألعاب.

هناك هزائم كاملة في الاقتصاد و الاجتماع و التعليم، لكن النجاح الباهر متحققٌ في السياسة، و كلمة السر هي في البيان، المخلوق الخالد الذي يولد لمرةٍ واحدة طوال عمر الأمة، أنه المبتدأ و الخبر، الغاية و المرتجى، يصلُح لكل المناسبات، لأفراح الأمة و أحزانها، لمناسبة إنشاء الحزب أو انشقاقه، كما لمرضه و وفاته، مثلما يصلح أصحابه، و هم المراكز العلمية المتحركة، لكل الأدوار السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية.
في أُمةٍ كالأمةَ الكُردية، تدور عجلة الزمن كل يوم، فتتبادل الخيانة و الشجاعة الأنخاب و الثياب، و يبقى كلام البعض سكاكين، يبقى قتلهم خناجر و اعتذاراتهم سيوف.
jelebi@hotmail.de

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…

صديق ملا عزيزي العربي السوري : الكورد ليسوا ضيوفا في سوريا …??.!! بعض الكورد الذين هجِّروا من تركيا بعد ثورة الشيخ سعيد إلتجؤوا إلى (الدولة الفرنسية) وليس إلى الجمهورية العربية السورية وسكنوا في المناطق الكوردية بين أهلهم وإخوانهم الكورد . وأول وفد عربي ذهب إلى (سيفر ) وطالب بالدولة السورية كانت جغرافية دولته من انطاكية مرورا بحلب دون شمالها وحماه…

د. محمود عباس قبل فترة استُهدفت ليلى زانا، واليوم سريا حسين، وغدًا قد تكون كوردية أخرى. ليست القضية في الأسماء، ولا في اتجاهاتها السياسية، بل في النمط الذي يتكرر بإيقاعٍ مقلق، المرأة الكوردية تتحول إلى ساحة اشتباك. ما يجري لا يمكن اختزاله في (نقد عابر)، كما لا يجوز إنكار وجود أخطاء أو اختلافات داخلية، فذلك جزء طبيعي من أي مجتمع…

نظام مير محمدي * استراتيجية “الهروب إلى الأمام يدرك النظام الإيراني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بقاءه بات على المحك. إن دخول طهران في أتون حروب إقليمية طاحنة ليس مجرد خيار عسكري، بل هو استراتيجية سياسية تهدف إلى تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة. ومع تحول هذه الحروب إلى عبء يستنزف ما تبقى من شرعية النظام، تصاعدت حالة السخط الشعبي…