المثقف والسياسي الكوردي مشعل التمو

  محمد قاسم “ابن  الجزيرة  

الاغتيال ظاهرة دنيئة تبناها سياسيون- وأكاد أقول السياسيون- منذ القديم لإزاحة الخصوم عن دروب طموحاتهم غير المشروعة؛ مادات استندت إلى إزهاق روح .

” ومن قتل نفسا بغير بحق فكأنما قتل الناس جميعا… ” الآية.

النفس البشرية تمثل معنى إنسانيا عاما،لذا كانت هذه الأهمية في الدين الإسلامي، وهي كذلك في مختلف الأديان.

بل وفي قيم الأخلاق والقانون ومختلف المعاني ذات الصلة إنسانيا.

لماذا إذا، يتجاوز البعض هذا المعنى للنفس الإنسانية، وعظتها، وأهميتها، وقدسيتها …–أفرادا وتيارات وجماعات ونظما وأحزابا…الخ- ؟! هل النفس الإنسانية رخيصة إلى درجة اغتيالها من اجل طموح-طمع- دنيوي مهما كان ؟ وكيف نتوقع للعلاقات البشرية أن تستقر تحت تأثير مثل هذا المسلك الشنيع بكل المقاييس؟
فالاغتيال ذاته تجاوز على حق الحياة، والكذب بشأنه –وهو مرافق دوما له- منهج إلى انتشار السوء بأنواعه المختلفة، والتي تؤدي إلى فقدان الثقة في العلاقات، ومن ثم فقدان الشعور بالأمان وروح المودة…وحلول التوجس والخوف وعدم الثقة…مما يسيء إلى الشعور بالأمان بين البشر.

هل من الذكاء أن نتصور أننا وحدنا القادرون على عمليات الاغتيال؟ ألا يمكن أن يقوم بالعملية غيرنا وضدنا أيضا؟ ربما ظروفنا اليوم أكثر موافقة لاعتبار ما –سلطة ،قوة، نفوذ،..الخ.

ولكن ألا يرينا التاريخ أن هذا ممكن بالنسبة لخصومنا أيضا..إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد أو بعد حين عموما؟ هل المثل القائل-أو ربما حديث نبوي-: “بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”.

جاء من فراغ؟! انه خلاصة تجارب بشرية؛ قد يخالطها أحيانا بعض التفكير الغيبي، او التصور الذاتي…ولكنها تبقى مشيرة إلى جوهر لا يمكننا تكذيبه ،أو تجاهله؛ إلا إذا كنا في حالة غباء..! وهل يمكن للقائم بالاغتيالات أن يخفي جريمته إلى ما لا نهاية؟ ربما ينجو هو، ولكن هل يضمن نجاة أولاده وذويه وشركائه… –خاصة في التراث القبلي ؟! وحتى إن نجا من الغير فهل ينجو من نفسه وضميره الذي قد يصحو يوما بتأثير ما، وهو الغالب… اغتيل المثقف والسياسي الكوردي مشعل التمو في قامشلي في دار هاجمه ملثمون فيها –وهذه ظاهرة تدل على أنهم لصوص قتل، وليسوا أصحاب حق.

في الثقافة الاجتماعية السائدة يعلن أصحاب الحق والثار عن أنفسهم؛ ليعلم الجميع بأنهم أصحاب حق، ويجنبوا الناس التعرض لشبهات لا ذنب لهم فيها.

ويعيدوا إلى المجتمع هدوءا فقده مذ تمت عملية الاغتيال والقتل.

 قيم اجتماعية نبيلة حتى في القتل، لكن الاغتيال -في أصله- عملية جبانة ودنيئة، وبعيدة عن الروح الاجتماعية الأصيلة والنبيلة..ولا يرتضيها ذو حس إنساني سوي..

فالاختلاف السياسي مثلا؛ لا يبرر القيام بازهاق روح من خلق الله، وتيتيم أولاد برءاء،وترميل زوج لا ذنب لها، فضلا عن هز الوجدان الاجتماعي في قبيلته، وفي حزبه، وفي الوسط الذي يعيش فيه عموما؛ منذ الجيران والأصدقاء ومختلف المتفاعلين معه، بل حتى الذين لا يعرفونه..

وعلى مستوى الوطن، خسارة لمواهب وكفاءات يمكنها أن تخدم  المجتمع.

فكل امرئ يقتل –مهما كانت الأسباب –هو هدر لقيمة ما في المجتمع والوطن .

تعرفت عليه في اجتماعات حاولنا فيها تشكيل مؤسسة ثقافية كوردية تمخضت عن ما سمي فيما بعد”منتدى بدرخان الثقافي” وأعلن عن تأسيسه في قبو مستأجر بجانب القبو الذي يتخذه السيد حميد درويش مكانا لأنشطته السياسية في قامشلي.

وحضر الإعلان مجموعة كبيرة من المثقفين والسياسيين بما فيهم أعضاء من حزب البعث.ورجال من العشائر –ومنهم السيد حميدي دهام الهادي، شيخ قبائل شمر.

وقد افتتح المركز بمحاضرة من المعارض المعروف “جاد الكريم جباعي”.

– ولكن المحاضرة الثانية –وكانت للدكتور عبد الرزاق عيد- وئدت، إذ دخل الأمن السياسي إلى القبو واخرج الحاضرين عنوة ، وكانت نهاية لحرية العمل الثقافي في ظل ما سمي  ربيع دمشق حينذاك… وبعدها انصرف الرجل إلى نشاط سياسي عبر “تيار المستقبل ” الذي كان ناطقا رسميا باسمه،وقد تعرض للاعتقال حوالي ثلاثة أعوام.

وقد علمت اليوم انه من مواليد 1958 وانه كان في بعض نشاطاته عندما هاجمه ملثمون وقتلوه وجرحوا ابنه جرحا بالغا، كما جرحت إحدى رفيقاته في التيار.

رحمه الله كان كادرا نشيطا وحيويا  يمكن استثمار إمكاناته –هو ومن مثله- في بناء قدرات تفيد المجتمع.

بدلا من الاغتيال وحرمان المجتمع … على الرغم من أن الغالبية ممن يسألون ، كما نشاهد في الإعلام، يعتبرون أن النظام وحده هو الذي قام بالعملية عبر بعض الشبيحة –وما إدراك ما الشبيحة؟-  لكننا ننتظر أن يجري النظام تحقيقا جادا يوصل إلى القتلة..

ويلقي القبض على المجرمين ومحاكمتهم محاكمة عادلة؛ تحقيقا للعدالة وتبرئة لذاته، وتهدئة للوجدان الجماعي الوطني عموما والكوردي خصوصا.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسين امين منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخلت القضية الكردية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. فقد بدا، في لحظة تاريخية نادرة، أن التحولات التي تشهدها سوريا قد تفتح نافذة لإعادة طرح الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن مشروع وطني ديمقراطي يضمن العدالة والمواطنة المتساوية. غير أن تعقيدات الصراع، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، والانقسام الكردي الداخلي، بددت كثيرًا من تلك…

عبد الحميد زيباري   ما إن تفتّحت أعيننا على هذه الدنيا، ونحن في العراق نتنفس غبار الحروب؛ معركة تولد من رحم أخرى، في دوامة عبثية لا ناقة لنا فيها ولا جمل. كأنّ قدرنا، نحن أبناء هذه الرقعة الجغرافية المثقلة بالتاريخ، أن نكون حطبًا لصراعات لا تنتهي، وتدفع شعوبنا ضريبة فادحة من أرواحها وأمنها، واهنةً تحت وطأة الأقدار التي جعلت…

روني علي وقفة .. أعتقد .. فيما لو حاولنا أن نعيد النظر في تجربتنا السياسية / الحزبية، فإن الخطوة الأولى تكمن في أن على الجيل الذي يتربع على عرش القرار الحزبي وكذلك المشيخات -جيل الستينات فما فوق – إدراك حقيقة أن أدوات وآليات العمل السياسي قد تخطت المرحلة الزمنية التي تشكلت في أحشائها الآليات التي لم تزل تعتمدها أحزابنا بل…

د. فريد سعدون قسد والإدارة الذاتية، بعد استكمال انضمامها للحكومة، ستكون قد أغلقت صفحة من التاريخ أسست فيها دويلة مساحتها ٩٠ ألف كيلومتر مربع لمدة عشر سنوات بكل ثرواتها ومواردها الاقتصادية والمالية … أسدلت الستار على صفحة مدججة بالطلاسم والشعارات والأحلام ، صفحة كتبت اسرارها الاقتصادية والمالية بحبر سري … وسيبقى المواطن العادي يتساءل عن البنية التحتية والخدمية من الكهرباء…