وطن الجثث والشهداء

فتح الله حسيني

سأسميكَ الحرية، والوطن الكفن، وسأسمي كل أزقة زقةالوطن باسمك، لأنحر أمام رفاتك مئات الأضاحي وأقدمها قرابين منقوشة لكل نقطة دم هدرت من جرأتك، وأنت تلملم الكرامة الكردية المهدورة هناك، لتصبح غائباً وحاضراً في ذات الوقت، صديقي مشعل تمو.

لأول مرة سأخاطبك بلغة الغائب، بلغة، لا يفقهها إلا: آزاد وشادمان وبري وشاناي، بلغة فتيات كرديات حالمات برقعة الحرية في فضاءات الحرية، في زنزانة واسعة للألم، مطلة على الألم، فسحة طبوغرافية من خارطة وطنك كردستان الممزقة،
 سأخاطبك وبيننا وطن مضطرب وشعب ثائر ومقابر شتى وشواهد مقابر متفرعة مدينة مدينة وقصبة قصبة، وتراب مقابر، وجراحات كردية فاضحة للدم، لعلي أستعيد بعضاً من قوايَ، في جسد منهك، مشرف على التعب بعد غياب مفاجئ في وطن المفاجأت، كما لو كنت تؤنب فينا الكسل وربّ كسلنا، وربّ بُعدنا عن الوطن، كأننا نغرد في منافينا القاسية كعصافير نزحت من أعشاشها للتو، لأنه لم نعد نعتبر للغياب أي اعتبار.

لأول مرة سأخطبك، لا كما خاطبتك في غيابك الطوعي، قبل أكثر من اثني عشر عاماً بالتمام والكمال، آنذاك، في “الزمان” اللندنية، مشعل التمو، هكذا دون ألقاب، وها آنذا أكتب عنك دون ألقاب، الا أن أضع قبل أسمك صفة الشهيد، لأنك عراف الشهداء، كما أني أخاف أن أضع صفة أمام اسمك، مشعل التمو، هكذا، صفاء لا يليق الا بقامة وروح الشهداء ونبلهم الجسيم، وأنت، كما أنت، ترقد بين حزن الكرد، وأنين الكرد، وآلهة الكرد وصخب الكرد ولا هدوء الكرد، وهم يتغنون بألمك الاستثنائي وجرأتك الاستثنائية وبحروف اسمك.
العنف والقسوة، صفتان لوطن واضح وفاضح، في تأمل سواد لا منته، في تصوير أسى غير منفصل، في استقلالية الأرض العبيدة، لا البعيدة، في خط النهاية الذي لا بداية له، في أخبار نعي، في رحيل أصدقاء، مناضلين عفيفين، جميلين الى حد أن يكسر الوطن أضلاعنا ويعدمنا بين أركانه، رتبة ربتة، جنرالاً جنرالاً، هذا الوطن، وينزحنا بعيداً، ويرمينا من شبابيك حافظنا على رونقها كما لو أنها لب وربّ الوطن، هذا الوطن، يكبلنا، ويخذلنا، بكل ما فيه من أمن وقوة وشبيحة ورصاص وفجائع، وطن له أبناء ظالمين.
لطالما كنتّ المختلف، أيها الصديق الغائب فقي ملكوت ربّه، الطاهي، تدفعك وتد آزادي الى خيمة آزادي، زنزانة حرية الى منفردة حرية، لأنك المختلف، الى حد ايقاظ البكاء وكل الوجع في صميمنا الكردي حد الموت، حد القساوة التي لا تنتهي.
في عالم قاس كعالمنا، في قتل أبناء بلدنا لنا، في ضحكة ألد أعدائنا على شبح أجسادنا الغارقة في الدم، في بساطة عصافير تطير وتهجر أعشاشها في أجواء سامة، في فقداننا لك، وأنت المطارد من لعنة المخابرات، أقول وداعاً، عشت جريئاً واستشهدت جريئاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…