المعارضة تخطو بجدية نحو توحيد الصفوف و النظام يلعب أوراقه الأخيرة

  أديب عبد المجيد

 مبادرةٌ حملت بين طيّاتها ملامح الإصرار و اتسمت بجديتها في تحمُّل جزء من المسؤولية تجاه تضحيات ثوّار سوريا الذين أخذوا على عاتقهم مجابهة أجهزة القمع و الإجرام بنضالهم السلمي حتى تحقيق هدف السمو بسوريا إلى ولادةٍ جديدة و واعدة.

بتشكيل المجلس الوطني الذي سعى إلى ضم غالبية أطياف المعارضة السورية, تحاول قوى المعارضة إثبات إمكانية إيجاد بديل ديمقراطي تعددي لنظام البعث الشمولي و الاستبدادي الذي اقترف من الجرائم ما لا يُعَد و لا يُحصى على مدار عقود حكمه لسوريا و التي بلغت ذروتها مؤخراً.

و قد فتح القائمون على تشكيل المجلس أبواب المشاركة على مصراعيه بغيةَ إنهاء حالة التشرذم التي عنونت و بخطوط عريضة واقع المعارضة السورية, لا سيما و أنَّ نزيف الدم السوري لم يتوقف منذ بداية الثورة في منتصف آذار الماضي.
 تعُتبَر عملية تكثيف الجهود و توحيد الصفوف و التنسيق بين قوى الثورة التي تناضل على الأرض و القوى الوطنية المعارضة في الخارج من الخطوات التي جاءت متأخرة بعض الشيء, إلّا أنّها تحمل من الأهمية ما هو كفيل باستمرار الثورة على طغيان نظام الأسد و ميليشياته المسلحة و البدء بجذب أنظار المجتمع الدولي لكسب الدعم اللازم للثورة في إطار تنظيمي يشكِّل لوحة مصغَّرة للتنوع الإجتماعي في سوريا و يتغلب على الشكوك التي تراود قسم كبير من المجتمع الدولي حول مستقبل سوريا و احتمال سيطرة الإسلاميين على سدة الحكم أو قيام أي نزاع طائفي بعد إنهاء حكم آل الأسد, و ذلك من شأنه أن يزيد الضغط و التضييق على النظام القائم الذي كان و لازال يحاول لعب ورقة الطائفية بخطط مكشوفة و استمر في العزف على وتر ضعف و تشتت المعارضة التي (لن تتمكن من الاتفاق), حسب ما حاول دائماً الترويج له.

في خضم هذه التطورات, تعلو بعض الأصوات من قبل شخصيات (محسوبة) على المعارضة لتندد بتشكيل المجلس و تشكك بوطنية القائمين عليه بحجة أنَّ طيف ما يطغى بطابعه على تلك الخطوة و الادعاء بأنّ هؤلاء يستخدمون بعض الأسماء اللامعة لتجميل صورة المجلس الذي تم الإعلان عنه.

فتبدو اللوحة متشابكة التفاصيل من زاوية و تتسم بسهولة فك الرموز من زاوية أخرى.

عندما تشكك بعض الشخصيات بمدى وطنية الآخرين, ترمي إلى التأكيد على وطنيتها بالوقوف على الحياد من أي مشروع من شأنه توحيد أطراف المعارضة, فتقدِّم بذلك هدية مجانية للنظام الدموي مفادها “استمرار حالة التشرذم و الإنقسام”, لتبدو الصورة هزيلة كما كانت عليه قبل تشكيل المجلس الوطني.


يستمر مسلسل القمع الوحشي و الدموي من قبل النظام لإيقاف طوفان الحرية النابع من الغضب الشعبي و إرادة الأحرار في تغيير واقع الوطن من مملكة للترهيب و الاضطهاد و الممارسات التعسفية إلى جمهورية ديمقراطية ليبرالية يحكمها القانون.

تندرج سياسة الاغتيالات التي عُرف بها نظام الأسد في إطار التدابير اللازمة لفرض القبضة الأمنية و الاستمرار في السيطرة بأي ثمن, و كانت عملية اغتيال عدد من الأكاديميين الاسبوع الماضي بمثابة استهداف للشخصيات المؤهلة و ذات التأثير على جيل الشباب الثائر, في محاولة من النظام للحد من ظاهرة الوعي و الجرأة المتفشيتين في المؤسسات التعليمية التي بقيت لعقود تحت سيطرته المطلقة, فلم يستوعب الأسد و نظامه بعدْ أنَّ صلاحية الطغيان و الاستبداد قد انتهت, و أنه قد حان للشعب أن يختار طريقه بنفسه.


بعد محاولاته المستمرة في إقناع المجتمعين السوري و الدولي برواياته عن العصابات الإرهابية المسلحة و التي بائت كلها بالفشل, أقدم النظام على اغتيال نجل (مفتي) الجمهورية بالتزامن مع إعلان المعارضة عن تشكيل المجلس الوطني في خطوة متقدمة لإثبات وجود مسلحين بين المتظاهرين السلميين الثائرين و لتلقى رواياته بعض المصداقية و لو لمرة واحدة, و إن كان الضحية إبن المفتي الذي يفتي له ارتكاب ما يحلو له من جرائم و انتهاكات بغية الاستمرار على سدَّة الحكم, ظناً من العقل المدبِّر في السلطة أنَّ الشك لن يراود أحد بضلوعها في مثل هذه العملية.
 بدأ نظام الأسد يرمي بأوراقه المتبقية, و قد أوشكت جعبته (الغنية) بالسياسات الميكيافيللية التوتاليتيرية أنْ تخلو, فيبقى عليه إنزال وحدات الجيش التي لم تشارك بسفك الدماء و التعذيب و الترهيب بعد, ليبدء بعدها بالاستعداد لمرحلة “المصير المحتوم”.

لَقيَ تشكيل المعارضة السورية للمجلس الوطني صداه بين صفوف المتظاهرين الثائرين, و بعثت خطوة إعلان تمثيل وطني للثورة روحاً جديدة في نفوس السوريين الذين عبَّروا عن تأييدهم بلافتاتٍ حملوها و حناجر باتت معتادة على المطالبة بحقوقها.

و إنْ لم يضم هذا المجلس كل المعارضين السوريين بعد, إلّا أنه وضع الخطوة التنظيمية الموسَّعة الأولى باتجاه تحقيق أهداف الثورة السورية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…