خارطة الطريق للمؤتمر الوطني الكردي

صبري رسول

الكرديّ ليس إلا نقار خشبٍ لا يتوب، يحفر قساوة خشب الشجرة نهاراً، ويتألم بقية ليله من صداع فعله، وهو كرّار لعمله صيفاً وشتاءً، دون أن يرسم استراتيجية عامة تُتعِبهُ صيفاً ويستريح شتاءً، وتنقذه من الصداع والألم بقية حياته.

والسياسي والقيادي الكردي الآن أشبه بنقّار الخشب، لا يفكر أبعد من تبغه ولا من يومه، ولا يرسم أبعد من غده، يطرح اليوم برنامجاً سياسياً، يصفه بالتاريخي، وبعد غدٍ ينساه إلى مدى التّاريخ، يؤسّس اليوم إطاراً، يصفه بالإنجاز الشامل، ويتخلّى عنه غداً لأنه أصبح عائقاً في طريق نضاله.


وما ينطبق على نقّار الخشب والقيادي الكردي ينطبق على المؤتمر الوطني الكردي، لأنّه تسلّم منصب القيادة بحكم الحاجة والفراغ التنظيمي والمحسوبيات، وليس بمؤهّله العلمي وحنكته السياسية، أو بقدرته التنظيمية، ومن هنا لا علاقة له بالتفكير السياسي، ولا بالنجاح التنظيمي، ولا برسم المستقبل الباهر للشعب الكردي، وهذه حال معظمهم للأسف.
لذا نرى أنّ قراءة الأحزاب للمرحلة السياسية قراءة مبتورة ومنقوصة وغير متكاملة، فعدم إدراك الأحزاب السياسية الاستحقاقات المرحلية يجعلها عاجزة في رسم استراتيجية سياسية تكون بمثابة خارطة طريق كردية.

فما تطرحه الأحزاب الكردية من مواقف وسياسيات هو أقرب إلى الارتجالية وبنت اللحظة منها إلى نتاج طبيعي للتفكير الإبداعي السياسي، ومن جهة أخرى لا أعتقد أن الأحزاب الكردية تسعى إلى عمل سياسي أو تنظيمي إن لم تكن لهم مصلحة شخصية أو حزبية ضيقة تتحقّق من ذاك السعي، لأنّ المصلحة الكردية العليا الخاصة والوطنية العامة هي آخر ما تفكّر بها أحزابنا وقياداتنا.

 في الأمس القريب كانت المبادرة الكردية لأحد عشر تنظيماً، والآن هي في ثلاجة الانتظار المهمَل، ولجأ آخرون إلى إطارات أخرى وطنية وسورية وصوتهم فيها خافتٌ، ودورهم في الظل.


فتأخير المؤتمر الوطني الكردي يعود إلى انعدام العامل الديناميكي في آليات العمل الفكري والتنظيمي للأحزاب الكردية.

كما يمكن القول أن هذه الأحزاب كلّما خطت خطوة توجّست من خطوتها خيفةً، وقامت بمراجعة حساباتها الفلكية والرقمية في الرّبح والخسارة لمصلحتها.


ولن نظلم أحداً لو قلنا أنّ كثيراً من قيادات الأحزاب الكردية عاجزة عن إدارة جلسة ريفية لبعض الفلاحين، فكيف بهم إيجاد وابتكار خرائط مرحلية و استراتيجية في قيادة المرحلة والإعداد الجيد لمؤتمر كردي شامل يمثّل الكرد سياسياً وتنظيمياً؟ وبالتالي إيصال الصوت الكردي إلى المحافل السياسية الوطنية السورية أو الإقليمية أو الدولية.
فما تمّ إنجازه من خلال تصريحات المسؤولين الكرد لا يرتقي إلى مستوى النجاح، وخاصة ما يتعلّق بآليات العمل التنظيمي للمؤتمر.


فالمصلحة الوطنية العليا تفرض على الجميع التكاتف والتعاون لإنجاح المؤتمر الوطني الكردي، وفق آليات صحيحة تلبي الطموح الكردي في توحيد الخطاب السياسي، والطاقات الكردية في هذه المرحلة الدقيقة؛ لكن لا يمكن إنجاز مثل هذا العمل إن لم تتجاوز الأحزاب عقدة ضعفها ونقصها في البحث عن مكاسب حزبية ضيقة على حساب المصلحة القومية العامة.

لأنّ البوادر الظاهرة حتى الآن تدلّ بكلّ وضوح على أنّ المؤتمر هو مؤتمرٌ للأحزاب الكردية وملحقاتها الذيلية، وليس مؤتمراً وطنياً عاماً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…