على هامش المواقف العدائية لبغداد ضد حكومة الاقليم: متى تنفتح وتنغلق الحكومات العراقية على الكورد؟

    عبدالغني علي يحيى

     سجل مطلع الاسبوع الاول من ايلول الجاري في العراق، حالتين متناقضتين، الاولى دلت على موقف حرج للغاية وجدت الحكومة العراقية نفسها فيه، وما زالت تداعياته متواصلة، ففيه شهدت بغداد والبصرة والحلة والنجف وكربلاء والديوانية والناصرية والانبار والفلوجة..

الخ، مظاهرات حاشدة نادت بتحسين الخدمات واجتثاث الفساد، وبالاصلاح السياسي والحرية والديمقراطية بل وبرحيل النظام وتنحي المالكي، ما يعني الوجه الآخر للمشهد ربما دخول نظام الحكم في العراق النفق نفسه الذي غابت فيه أنظمة بن علي ومبارك والقذافي، وبقية الحكاية تعرفونها فيما حالت إجراءات أمنية مكثفة للحيلولة دون ان تحذو نينوى والكوت حذو المدن المنتفضة التي أتينا على ذكرها، في حين تم قمع تظاهرات في (ابو غريب) غرب بغداد من قبل الجيش بالعصي والهراوات، ومنعت وسائل الإعلام من تغطية تظاهرات الناصرية ومدن اخرى، وهي الظاهرة التي تشبه تلك التي رافقت ثورات وانتفاضات تونس ومصر وليبيا وسوريا.
اتساع دائرة الاحتجاجات كما ونوعاً على اداء النظام القائم في العراق وفشله في إدارة البلاد، تزامن مع عجز بين له في إدارة الصراع مع دولتين (ايران وتركيا ) تقومان باعتداءات شبه يومية على القرى الحدودية في الشمال والشمال الشرقي لكوردستان العراق، منتهكتين بذلك سيادة واستقلال البلاد، وفي إدارة الصراع مع الكويت ايضاً بشأن أزمة ميناء مبارك، ويتجلى في كل هذا وغيره ضعف النظام العراقي وهزاله وعزلته.
اما الحالة الثانية، فتتجسد في ان الحكومة العراقية وسط هذه الأجواء والتحديات حيث تلتهب الأرض تحت قدميها في كل البلاد وعرضها، راحت تصعد من حملتها ولهجتها على الكورد وعلى اكثر من صعيد ومستوى، فأقدمت، وهذا على سبيل المثال، على تقليص صلاحيات الرئيس الطالبني التي تكاد تكون معدومة مقارنة بصلاحيات المالكي، وفوق كل هذا فأن الطالباني سبق ان بذل جهوداً جبارة للتقريب بين الاطراف العراقية سيما بين (العراقية) و(دولة القانون) وتحول منزله الى قاعة للاجتماعات بينهما لإحلال التفاهم وإنقاذ العملية السياسية من الانهيار، وفي الوقت شن رموز (دولة القانون) هجوماً مركزاً على البارزاني لرفضه قانون النفط المخالف للدستور، حتى ان (ياسين مجيد) احد أولئك الرموز، وفي خلال أقل من ثلاثة ايام، حمل مرتين على البارزاني، وتساءل باستهزاء: من أين جاءت الصلاحية للبارزاني وحكومة الاقليم للتدخل في شؤون الحكومة العراقية وفرض الاملاءات عليها، هذا التساؤل المنافي للحرية والديمقراطية اللتين تسمحان لاي مواطن بإبداء الرأي والانتقاد لاعمال الحكومة.
اضف الى ذلك ان الحكومة الاتحادية المحت الى امكان ارسال قوات عسكرية عراقية لمنع ما سمتها جهات، من التحرش بدول الجوار، أي ايران وتركيا، وواضح ان هذا التصريح ما هو الا استفزاز صريح للكورد ينم عن رغبة جهنمية في اجتياح اقليم كوردستان.
من جانب آخر طالب التيار الصدري الذي يعد بمثابة حكومة داخل حكومة، وفي هذا ضعف للحكومة، البارزاني بمراجعة موقفه الداعي الى بقاء القوات الامريكية في العراق، ويعلم الجميع ان (لواء اليوم الموعود) التابع لجيش المهدي، يعلن بين حين وحين عن هجمات له ضد الجيش الامريكي، الامر الذي يؤكد بؤس الحكومة المركزية وفشلها في وضع حد للميليشيات المسلحة في البلاد وهي التي، أي الحكومة، كانت قد قامت قبل سنوات بمهاجمة جيش المهدي في (مدينة الصدر) و(البصرة) وغيرهما من المدن، فقتلت من افراده من قتلت وسجنت من سجنت.
ان اقدام بغداد علانية على معاداة الكورد وفي هذه المرحلة بالذات، ناجم أصلاً عن الضعف والهزال الذي ينتابها، وعن الفلتان الامني وأمور اخرى أسوأ، ولقد علمتنا تجارب الماضي القريب، ان الحكومات العراقية الجمهورية، كانت تتميز بوجه الكورد وتصادر حقوقهم ومكاسبهم، في أوج ضعفها وليس قوتها، فحكومة قاسم كانت قوية يوم أقرت بشراكة الكورد للعرب وبحقوق قومية اخرى لهم وبالديمقراطية للعراقيين، لكنها ما ان خطت خطواتها الاولى باتجاه العزلة فانها سرعان ما قامت بمصادرة الحقوق القومية للكورد، والقول نفسه أنسحب على الحكام العراقيين من بعده.

مما تقدم، ومن تكرار الحالة، نخلص الى صياغة القاعدة الآتية: ان الحكومات العراقية متى ما شرعت بمناهضة الكورد فهذا يعني انها تعيش في أشد الحالات ضعفاً، وانها حين تلبي مطاليب الكورد والجماهير العراقية فانها غالباً ما تكون في موقع من الاقتدار، ويبدو ان حكومة المالكي لم تتعظ من تجارب الحكومات السابقة لها وابت الا ان تنتهج مسارها وتجاربها العقيمة الفاشلة، فها هي وجهاً لوجه ليس امام الكورد فحسب بل وامام الاحتجاجات الجماهيرية في انحاء العراق، والتي اخذت تشتد وتقوى لتصنع ربيعها، ان لم تستدرك حكومة المالكي اخطاءها وتتراجع عن سياساتها الخاطئة، ولقد كان (سعدون الدليمي) على صواب حين قال وذلك في مطلع ذلك الاسبوع : ان (الربيع العربي) الذي قال عنه انه يزيد من الفوضى، سينعكس على العراق أيضاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…