دّواسة الأمن ….

  محمود مراد

من المشاهد الملفتة للنظر ، تلك اللحظة السّفلية التي ترهب المشاهد ، عندما يدوس رجل الأمن الضحية ، وهي نصف مقتولة ، في صمتها ، النائمة وهي تشهد لله الخالق في لحظة آنيّة ، لا تتجاوز الثواني ، هذا الدوران ألمداسي ، هي اللحظة الدونيّة للحالة الإنسانية ، جاءت بدل الرعاية والعطف المعنوي ، كانت الرصاصات أهون بكثير ، وهي تلثم وجه الشاب الضحيّة على الأرض ، وهي تعشش للسكون الأبدي ، في هذه الحركة المدّاسية هل تمثّل لحظة الخيانة الأمنية لنظامها الأمني ؟! ألم تكن اللحظة خنجراً مسموماً ، في خاصرة سوريا ، الدولة والوطن ؟ أسقطتها من مثاليتها التاريخية الثقافية ، والحضارية
هذه الحركة على جسد الضحية ، عبّر المشاهد عنها بآ ه ه ه التي عجزت مدارس التعبير عنها بكلمات ، سلبت شعور الانتماء للمجتمع ، والوطن ، جسدّت أللانتماء في أحضان الاغتراب الجغرافي ، أعيدها مرة أخرى ، الرصاصة كانت تمثّل لحظة جمالية ، بالنسبة إلى زميلتها الأخرى ، والسؤال من الذي تجرّئ على تصويرها ؟ ما هي الشخصية التي باعت سورية ومجتمعها خيانة ؟ ما هو الهدف من وراء التصوير ، هل لرسم الخوف على وجوه المشاهدين ، أم هي لحظة التمرّد الأمني على النظام الأمني ؟ .
أما الشيخ المسن الذي لّفت يداه حول ظهره ، بحركة دورانية يركل على وجهه ، بقنص متعمدّ ببروز القدم ، مع آهاته الأبوية والجدودية ، كيف ستكون حالة المشاهدين الأبناء هل ستمثّل لهم ثقافة سفلية وإهانة ، أم أنها ستعيش في علياءها ؟ أمام ثقافة التركيل التي تعلّمناها ، من المشاهدات المباعة ، بأغلى الأثمان بحسب معيار قوة الركلة ، ومدى إدامتها لجسد الضحية .
وفي مشهد آخر ، يسأل رجل الأمن الشاب ، هل تريد الحرية بجواب موسيقى القدم يدوس جسده ، ويعطيه ثمن الحرية ، كقيمة لا تمرر بدون ثمن البتة ، لا يسأله عن تسلّحه ، وحمله للسلاح ، وإطلاقه الرصاص على صدور ورؤوس المتظاهرين ، أدلجةً لرواية  المسلحين ، والارهابين ، يبدو أنّه فقد بوصلة الرواية تلك ، بعد ذلك لم يشف غليله إلاّ بتلك الرقصة الجماعية ، وهم يدوسون الضحايا ، براءة التظاهر السلميين ، بمشهد ودوبلاج مباشر برسم البيع ، ولسان حالهم هي هوية سورية ، ينسب إليها الإنجازات ، والأفعال السلوكية السفلية ، لإخراجها من وقائع التاريخ والجغرافيا .
أما بالنسبة للشباب شبه عريان ، أحدهم يقاتل استجداءً ، والجاني بتفنن غير مسبوق ، المتدرب على حركات الجودو يرفس بركلات ، أمامية وخلفية بمهارة عالية ، يتصيّد وجوه الشباب ظنّاً منه بأنّه ينتمي إلى بيئة ، وأسرة مخالفة لمجتمعاتهم ، ودينهم ، وثقافتهم ووطنهم ، هذا العنف الداخلي ، يسترخص فيه دماء ، أهله وإخوانه وأقاربه ، بهذا الشكل تبدو المشاهد مرعبة ، لثقافة الذات وأمن المواطن ، ومنظومتها الأخلاقية والوجدانية .
في مكان آخر، الشباب الذين تمّ ترصيفهم ، والانتقال على أجسادهم بدقة ، حينها قال أحد الطبّالين ، أنّ المشهد للبشمركة الكرد ، شحنّ وأججّ الشارع ضد سورية ، بشكل واضح لا يقبل الشك ، بعد أن تمّ التأكيد على مكان المشهد .
بعد كل ذلك من سيحرّر هوية سورية ، يجوّدها وينقيّها من المشاهد المرعبة تلك ، كم نحتاج من الزمن لتفكيكها من أذهاننا ، المصورة برسم البيع ، هل تمثّل حالات فردية ، وخروجاً عن طاعة المنظومة الأمنية ، أم تحولت إلى ثقافة وسلوك ، بعد الأحداث الدامية على أيّ أسس ستقام العلاقة بين الدولة ، ومواطنيها بعد اليوم ؟!.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…