تجاهل مكونات الشعب السوري… عودة إلى حقبة الظلم؟

مسلم شيخ حسن- كوباني

 بعد سقوط النظام البائد وانطلاق عملية السياسية في سوريا،تشكلت لدى شرائح واسعة من الشعب السوري آمالاً كبيرة بقدوم نظام جديد أكثر عدالة واحتضاناً لجميع مكونات المجتمع السوري الإثنية والطائفية وخاصةً القومية الكردي الذي عانى عقوداً من الإقصاء والتهميش الممنهج. إلا أن ممارسات الإدارة السورية الجديدة جاءت مخيبة لهذه الآمال إذ اعادت إنتاج العقلية الإقصائية التي سادت سوريا بقيادة نظام بشار الأسد المخلوع .

فبعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع في 8 كانون الأول 2024، تأملت جميع مكونات الشعب السوري بانفراج حقيقي وسعادة طال انتظارها وبمستقبل مشرق يعوض عقود من الظلم والاستبداد . غير أن الواقع السياسي الذي تلت بعد هذا الحدث التاريخي لم يكن على قدر تطلعات السوريين بل حمل في طياته مؤشرات مقلقة على استمرار عقلية الإقصاء والهيمنة.

لقد بدأ واضحا ًمنذ اللحظة الأولى لتشكيل الحكومة والمؤسسات الجديدة أن المقاربة التي تتبناها الإدارة الحالية لا تختلف كثيراً عن نهج النظام البائد . من حيث إقصاء مكونات أساسية من الشعب السوري عن مواقع صنع القرار أو مشاركتها الفاعلة في كتابة الدستور أو تمثيلها في المؤسسات السياسية ومفاصل الدولة.

فالقومية الكردية التي تشكل أحد أقدم وأهم المكونات الوطنية في البلاد لاتزال تتعرض للتهميش ولم تُدع رسمياً للمشاركة في بناء المرحلة الجديدة سواء في  الحكومة أو في الهيئات التشريعية .

لا يمكن اعتبار هذا الإهمال مجرد تقصير سياسي بل هو مؤشر خطير على رؤية ضيقة الأفق تولد الانقسام وتفشل في بناء دولة المواطنة المتساوية. فالاستمرار في هذا النهج سيؤدي بلا شك إلى عواقب وخيمة على مستقبل سوريا ووحدتها الوطنية لأنه يعيدنا إلى نقطة البداية،دولة الاستبداد،التمييز والهيمنة القومية كما كانت سوريا في عهد بشار الأسد، حين تحولت البلاد الى سجن كبير للشعوب والقوميات والطوائف المخالفة .

لقد أثبتت التجارب في المنطقة والعالم أن بناء دول مستقرة ومستقبل مزدهر لا يمكن أن يتحقق على أنقاض الإقصاء والتمييز بل على أساس الاعتراف بالتنوع والتعددية وضمان المساواة في الحقوق للجميع. إن تجاهل صوت القومية الكردية وإبعاد الطوائف والمكونات من مراكز صنع القرار يعني تفويت فرصة تاريخية لبناء سوريا جديدة حرة وديمقراطية.

إن طريق السلام والعدالة والاستقرار لا يمر عبر نفس الأبواب القديمة التي أدت إلى انهيار البلاد بل من خلال شراكة وطنية حقيقية يكون لكل مكون فيها دور وصوت. وكل محاولة لتجاهل هذا الواقع لن تؤدي إلا إلى إنتاج استبداد جديد بوجه مختلف وهو ما يرفضه كل من ناضل من أجل الحرية والكرامة في هذا البلد المنكوب .

إن تجاهل مكونات الشعب السوري ولاسيما القومية الكردية في مرحلة ما بعد سقوط النظام الاستبدادي يعد خطيئة سياسية وأخلاقية لا تقل خطورة عما ارتكب في عهد النظام البائد . لا يمكن بناء سوريا الجديدة على الإقصاء أو حكمها بعقلية الهيمنة بل يحتاج الى مشروع وطني جامع يضمن العدالة والكرامة والمشاركة لجميع أبنائها . إن الاستمرار في هذا النهج سيقود البلاد إلى أزمات جديدة وربما الى انفجارات داخلية تعيدها إلى دوامة العنف والانقسام. ولذلك، فإن الحل الوحيد هو العودة إلى حوار حقيقي وبناء نظام سياسي يعترف بجميع المكونات ويضمن تمثيلها العادل في مؤسسات الدولة دستوراً وحكومةً . فإما أن تكون سوريا لجميع السوريين أو لا تكون.

5 / 7 / 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…