لا صوت يعلو فوق جذورنا العميقة

جلال مرعي

 مع سقوط الأسد ودخول سوريا مرحلة جديدة ، ظنَ الإنسان الكُردي  في قرارة نفسهِ بأنه سيكون النواة الأساسية لباقي السوريين نحو تأسس نظام حكم جديد لوطن يسوده روح المحبة والتآخي واحترام الآخر وتقبلهِ، بغض النظر عن الدين والعرق، يضم نخباً سياسية وثقافية ودينية وازنة ورصينة تشجّع الحريات والمساواة وتبحث عن  حلول جذرية للمشكلات الاجتماعية دون تميز وسط ضوابط ومعاير صارمة لنبذ العنف والحد من خطاب الكراهية وتجريم التحريض لتكون سوريا مثالاً يحتذى بها بعد عقود من الظلم والطغيان وسياسية اللون الواحد.

لم يكن يومياً ولو لبرهة يفكر بأنه سيكون عرضة لهذا الكم الهائل من سهام الكره المقيت وكأنه طارئ على هذه الجغرافيا دون أي اعتبار لعمق جذوره ووجوده على أرضه التاريخيّة. 

 مؤسف بالوقت ذاته أن يضطر الكردي إلى فتح دفاتر قديمة  ويستعرض المواثيق والشواهد الضاربة في عمق التاريخ ليبرهن بأنه صاحب حق وقضية وتاريخ  لطالما حاول السابقون طمسها وأمام منّ؟، أمام كومة من المتفجرات الاجتماعية المشتعلة من دون أن تخمد ، التهمت الجميع على حدٍ سواء ، كنسخة من سرديات النظام السابق، أفضت إلى تصدع القيم الاجتماعية وانشطارها على طول هذا الوطن الذي يئن جرحاً عميقاً وشرخاً واسعاً  في بنيته الاجتماعية والسياسية.

لسنا هُنا بصدد الدفاع عن الذات والوجود أمام هذه الكومة المشتعلة والتي تبث السموم لأنها بطبيعة الحال لا تقيم وزناً للغير كونها نتاج بيئة ضحلة تعكس سطحية ثقافتها، بقدر ما نسعى لتبيان الحقائق التاريخية لمن يدعي أنه نخبة سورية واعية إلا أنها تتجاهل واقعنا وجذورنا في أرضنا التي حماها أسلافنا بالدم وردوا على ترهات “المؤرخ” السوري سهيل زكّار وحفنة من الشوفينيين البعثيين في سعيهم لنفي وجود الكُرد في سوريا.

فقد أرسلَ المرحوم عبدالحميد حاج درويش وفداً إلى المرحوم العمّ شيخموس مرعي والجدة شمسة سليمان مرعي(رحمهما الله) للاطلاع بشكل دقيق على تاريخ وجودنا هُنا (منطقة آليا) ،بهدف الردّ على زكّار وليحصل على أكبر قدر من الثبوتيات ، وقتها  دوّنا معاً  أسماء ستة عشر أباً (بافكـ) من العائلة، دُفِنوا على أرضهم التاريخية، والعم شيخموس السابع عشر – لك أن تتخيل ماذا يعني الجد الـ 17-.

مثلنا العشرات من العوائل الأصيلة، المتجذرة في الأرض وبوثائق وشواهد تاريخيّة ، أقدم من تسمية سوريا ذاتها حافظوا على وجودهم وإرثهم العريق مع الالتزام التام بالقيم والمبادئ الإنسانية النبيلة وحسن التعامل والاحترام المتبادل مع الآخرين.

بالنظر أيضاً إلى أرشيف الحكومات الغربية ومنها الفرنسية التي حكمت المنطقة ومن قبل ذلك الوثائق العثمانية،   تُثبت بما لا شك فيه أن الكورد يشكّلون الغالبية العُظمى من سكان الجزيرة قبل ترسيم الحدود دونت فيها أسماء العشائر  وقادتها من الشرق إلى الغرب كما ورد في آخر خريطة/ وثيقة فرنسية نُشرت قبل سنوات ، وردت اختلافات بسيطة في لفظ اسم العشائر أثناء النسخ من الكوردية والعربية إلى الفرنسية. هذه العشائر كانت متواجدة في الجزيرة عام 1924 وقبلها.

  1. ميران، نايف بن مصطفى باشا
  2. عباسا، محمود الأحمد
  3. أرسينان، (لم يرد اسم قائد العشيرة)
  4. آليان، عبدي آغا المرعي
  5. تشيتي، سليمان عباس و أحمد اليوسف
  6. طي، محمد عبد الرحمن
  7. بينار علي، طاهر آغا
  8. ميرسيني، عبدى آغا الخلو
  9. دقوري، سعيد آغا
  • ملّي، ابراهيم آغا
  • كيكي، درويش آغا و محمود آغا
  • حرب، أحمد العبيد
  • ملّي، أبناء ابراهيم باشا (محمود بك)
  • ججّان، سليمان بك

ترجمة ألماني – عربي: آري حسّو

هذا جزء يسير من مئات الشواهد والمواثيق  للماضي العريق لنا ككُرد  على أرضنا التاريخية وكما هو معلوم ومتعارف عليه في المواثيق والأعراف الدولية الشعوب الأصلية هي من ترسم الخطوط العريضة لمستقبلها بما يناسب ظروفها ووجودها في المنطقة التي يقطنها دون إكراه ..

خلاصة القول : سوريا اليوم بأمس الحاجة لان تتعالى فيها أصوات تدعوا لنبذ العنف والكراهية وإرساء مبادئ المحبة والإنسانية والإخاء، لا بد للقيم النبيلة أن تخترق الأسر، وأن تتناقلها كل الأجيال، حتى يتم احترام كل القوميات والأديان مع حسن الإصغاء إلى فكر الآخر والقبول به، ومع الوقوف بضد وصرامة لكل صوت يسيء للآخر ويمارس شعراء البلاطة في مدح أي سلطة قائمة على حساب الشعب ومصالحه العليا.

سوريا لكل السوريين ، سوريا حيث الأصالة والمعاصرة فلا يمكن لأي رياح عاتية أن تقلع جذورنا الممتدة في الأرض عبر التاريخ .لأشكّ تحكمنا ظروف قاسية، وفوبيا وجودنا أَقْلَقَ رَاحَة الكثيرينَ من حولنا، لكن نحنُ التاريخ والأصالة والقيم الإنسانية السامية لهذا الوطنْ الذي شهدَ صراعات مريرة ونزاعات وبفضل الله وأهلها الأصلاء ، بقي شامخاً ،لأننا الحق وهم عابرون كالغبار. الجذور الممتدة الراسخة في أعماق الأصالة كفيلةٌ بتجاوز جميع المِحَنْ.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس ليست المشكلة في خطاب الدكتور محمد بهجت القبيسي أنه يخطئ في قراءة شاهد هنا أو هناك، بل في المنهجية التي تحكم قراءته كلها. فهو لا ينظر إلى التاريخ بوصفه تراكمًا معقدًا من النصوص والتحولات والأزمنة والسكان، بل يتعامل معه كصيدٍ انتقائي، يقتطع حادثة من سياقها، أو يستدعي تسمية جزئية، أو يستنطق شاهدًا عابرًا، ثم يحمّله ما…

شـــريف علي لم يعد الرابع عشر من حزيران 1957 مجرد تاريخ لتأسيس أول حزب كوردي في سوريا، بل أصبح مرآة تعكس المسافة الهائلة بين جيلٍ أسّس مشروعاً سياسياً تحت القمع والملاحقة، وجيلٍ آخر ورث هذا المشروع ثم تركه يتآكل تحت وطأة الانقسامات، والحسابات الصغيرة، والارتهان للخارج . ما بدأ كحركة تحرر قومي تحلم بالحقوق والاعتراف، انتهى اليوم إلى فسيفساء متنافرة…

خالد حسو تشهد الحالة السورية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في البنية الاجتماعية، لم تعد تُختزل في كونها أزمة سياسية أو صراعًا على السلطة، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي نفسه، حيث يعاد تشكيل العلاقات بين الأفراد على أسس يغلب عليها التوتر والريبة والانقسام. ولا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند مفهوم “العنف الرمزي”، بوصفه أحد أكثر أشكال العنف خفاءً…

عزالدين ملا نادراً ما تواجه الحركات السياسية امتحاناً أكثر تعقيداً من ذلك الذي ينشأ عندما يتحول تاريخها النضالي، بكل ما يحمله من شرعية ورمزية، إلى إطار ذهني يحدّ من قدرتها على استشراف المستقبل. فالتجارب السياسية الكبرى لا تدخل أزماتها الحقيقية عند لحظات الضعف أو الهزيمة، بل عندما تصبح منجزاتها التاريخية نفسها مرجعية مغلقة تعيق إنتاج رؤى جديدة تتناسب مع التحولات…