أمريكا على الخط: ما بعد فوردو ونطنز

عدنان بدرالدين
في الساعات الأولى من صباح 22 حزيران، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية تنفيذ ضربات جوية دقيقة استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. العملية، التي وُصفت بأنها “أكبر تدخل مباشر لواشنطن في الصراع الإيراني- الإسرائيلي”، نُفذت بواسطة طائرات شبح من طراز B-2 تحمل قنابل خارقة للتحصينات (GBU-57)، في إشارة واضحة إلى أن الهدف لم يكن إرسال رسالة رمزية فحسب، بل إحداث تدمير فعلي لبنية إيران النووية المحصّنة تحت الأرض.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن تبنّيه للعملية في خطاب متلفز، صرّح بأن “المواقع النووية الإيرانية تمّت إزالتها من الوجود”، واعتبر الضربة “خطوة ضرورية لحماية الأمن العالمي”. وعلى الرغم من تجاهله الإشارة إلى موافقة الكونغرس، أثارت الضربة – بحسب الغارديان – جدلاً قانونيًا في واشنطن، إذ اعتبرها نواب ديمقراطيون، من بينهم حكيم جيفريز، “تجاوزًا خطيرًا للدستور” نظراً لتنفيذها دون تفويض تشريعي.
في إسرائيل، قوبلت العملية بترحيب واسع. فقد أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع واشنطن بوست، أنها جاءت تتويجًا لتنسيق وثيق بين واشنطن وتل أبيب، واصفًا الضربة بأنها “منعطف حاسم في تحجيم التهديد الإيراني”. وبينما امتنع عن تأكيد مشاركة إسرائيل المباشرة، ألمح إلى ما سماه “اليد الخفية التي تعمل بتناسق تام”، ما يوحي بدور إسرائيلي محتمل في التخطيط وربما في التنفيذ.
ورغم الدعم الضمني من بعض حلفاء واشنطن في المنطقة، قوبلت الضربة بإدانات دولية متفاوتة النبرة. الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وصفها بـ”تصعيد بالغ الخطورة”، داعيًا إلى العودة الفورية للمفاوضات. من جانبها، اعتبرت إيران ما حدث “عدوانًا صريحًا وانتهاكًا لسيادتها”، متوعدة بالرد “في الزمان والمكان المناسبين”.
استراتيجيًا، تمثل هذه الضربة نقطة تحول بارزة، ليس فقط في مسار الملف النووي الإيراني وحسب، بل في طبيعة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فبعد أشهر من الاكتفاء بالدعم العسكري لإسرائيل، انتقلت واشنطن إلى دور تنفيذي مباشر، ما قد يُفضي إلى تصعيد على جبهات أخرى، خصوصًا في العراق وسوريا واليمن، حيث تتواجد فصائل تابعة لطهران. وقد سارع الحوثيون، على سبيل المثال، إلى التهديد باستهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر، ما ينذر بإمكانية توسّع المواجهة إلى مستويات إقليمية خطيرة.
سياسيًا، تأتي الضربة في سياق حسابات داخلية دقيقة. فترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، يسعى لترسيخ صورته كقائد حازم يواجه “التهديدات النووية” دون التورط في حرب شاملة. هذا التوازن بين استعراض القوة والتدمير المحسوب يعكس المزاج السياسي الأمريكي الراهن: عزوف عن الحروب الطويلة، لكن مع رغبة أكيدة في فرض الهيبة. كما أن التوقيت قد يخدم الجمهوريين في التحضير المبكر لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 2026.
ولعل اللافت أن ترامب، المعروف بخروجه المتكرر عن الأعراف السياسية، قدّم هنا نموذجًا براغماتيًا لاستخدام القوة العسكرية: حاسم في التنفيذ، محسوب في التوسّع. ويمكن اعتبار الضربة واحدة من أكثر تحركاته اتساقًا وذكاءً على الصعيد الاستراتيجي.
أما إيران، فهي تواجه اليوم معضلة مزدوجة: كيف تردّ دون أن تُستدرج إلى حرب مفتوحة لا تقوى على خوضها، وكيف تحفظ ما تبقى من صورة الردع بعد خسارة ثلاث منشآت استراتيجية في غضون ساعات؟ الرد الإيراني مرجّح، لكن توقيته وطبيعته سيحددان ملامح المرحلة المقبلة: هل نتجه إلى تصعيد متعدد الجبهات، أم إلى جولة ردود استعراضية محدودة الأثر؟
في كل الحالات، يبدو أن الحديث عن العودة إلى طاولة التفاوض، الذي يكرّره ترامب إعلاميًا، أصبح أبعد من أي وقت مضى. وحتى لو أُطلقت مبادرات دبلوماسية، فإنها ستكون مختلفة جذريًا عن كل ما سبق. فواشنطن دخلت الحرب فعليًا، وإن لم تعلن ذلك صراحة.
22 حزيران 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…