إعادة التوازن الديمغرافي في غربي كوردستان ضرورة تاريخية وعدالة مؤجلة – 4/4

د. محمود عباس

 

  • إعادة النظر في آثار السياسات الإحلالية.

يجب أن تشمل هذه المراجعة التاريخية الجذرية جميع المراحل التي طالتها يد العبث بالبنية الديمغرافية لغربي كوردستان، بدءًا من مشاريع البعث الأولى، مرورًا بمخططات الحزام العربي، وانتهاءً بالجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، لا سيما خلال العقد الأخير من الثورة والحرب.

ولا يُقصد هنا التطرق إلى الهجرات التي حدثت على خلفية ثورة حائل بين عامي 1889 و1910، والتي أسفرت عن انتقال عدد من القبائل العربية إلى بادية الشام والعراق، ومنها من استقر في الجزيرة الكوردستانية. فهؤلاء، برغم تجاوزات بعضهم في التماهي مع سياسات الأنظمة الشمولية المعادية للكورد، يُنظر إليهم اليوم كجزء من النسيج السكاني بحكم الاستقرار الطويل. لكن الاعتراف بذلك لا يلغي حق الشعب الكوردي في المطالبة بإعادة تقييم آثار مشاريع الإقصاء والاستيطان التي فُرضت عليه لاحقًا بقوة السلطة.

إن هذه المراجعة يجب أن تمتد إلى الوضع القانوني للمستوطنات التي أُقيمت على أراضٍ مغتصبة، لا بهدف تجريم من تم توطينهم قسرًا، فغالبيتهم ضحايا نظم قاهرة مثل غيرهم، بل بهدف إحقاق الحق التاريخي، عبر خيارات عقلانية: إما إعادتهم إلى مواطنهم الأصلية وتعويض المتضررين الكورد، أو السماح لهم بالبقاء في المنطقة شريطة إلغاء التملك غير المشروع وإعادة الأراضي إلى أصحابها الشرعيين.

فكما لا يجوز تجريم المهجرين من ديارهم قسرًا، لا يصح أيضًا تجاهل الجريمة الأصلية التي ارتُكبت بحق الأرض والإنسان، والتي لا تسقط بالتقادم، ولا تمحوها سنوات التساهل أو شعارات التعايش المضللة. إن أي مصالحة حقيقية تبدأ من تصحيح الخلل الديمغرافي، والاعتراف الصريح بالجريمة، وردّ المظالم إلى أهلها، قبل الحديث عن مستقبل مشترك أو دستور جديد.

  • تشجيع عودة المهجّرين الكورد إلى ديارهم الأصلية

آلاف العائلات الكوردية تقيم اليوم في جنوب كوردستان (العراق) أو شمال كوردستان وتركيا ولبنان، وفي الشتات الأوروبي، بعدما هجّرتهم السياسات القمعية والعمليات العسكرية. يجب أن تكون عودتهم أولوية وطنية، بدعم من الإدارة الذاتية والمجتمع الدولي، وذلك من خلال تمكينهم اقتصاديًا، وتوفير البنية التحتية والخدمات، وتخصيص أراضٍ بديلة عما خسروه، أو إعادة أراضيهم الأصلية المغتصبة، باعتبار أن العودة الآمنة والاختيارية هي أحد أسس العدالة الانتقالية فيما بعد النزاع، كما تنص عليه تقارير الأمم المتحدة (UNHCR 2021).

إن الجغرافية الكوردية لم تكن يومًا منقطعة أو مجزأة، وإنما فُرض عليها التشظي بفعل عمليات التغيير الديمغرافي المتعمد، التي هدفت إلى قطع التواصل الجغرافي والسياسي بين المجتمعات الكوردية من ديريك إلى عفرين وما بعدها، مرورًا بكوباني وقامشلو والحسكة. غير أن هذا التماسك لا يلغي حقيقة التنوع القومي والديني الذي تزخر به المنطقة. فالسريان والآشوريون، الأرمن والشركس، الشيشان، والعرب، بعضها مكوّنات أصيلة في هذه الرقعة، ويجب أن تُصان حقوقهم القومية والثقافية، كما تُصان الحقوق الكوردية. فالتعددية هنا ليست عائقًا، بل ركيزة لبناء عقد اجتماعي جديد، يتجاوز الدولة القومية الأحادية نحو نظام ديمقراطي لامركزي يحتضن الجميع.

إننا نطمح إلى بناء كوردستان فيدرالية ضمن سوريا ديمقراطية لامركزية، تتوزع فيها السلطات وفقًا لمبادئ الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية، على أن يظل حق تقرير المصير محفوظًا للشعب الكوردي، بوصفه مبدأ من مبادئ القانون الدولي، متى ما توفرت الظروف المناسبة والإرادة الجماعية.

لذا، فإن المسؤولية التاريخية تُحتم على القوى والهيئات الكوردية في غربي كوردستان المبادرة إلى تشكيل لجان مختصة، تضم خبراء في الجغرافيا والسكان والقانون، تأخذ على عاتقها مهمة تصحيح هذه الإشكالية الديمغرافية العميقة، التي لم تكن يومًا مجرد تحوّل سكاني، بل جريمة منظمة بحق الوجود الكوردي.

ويتطلب ذلك انخراطًا مباشرًا مع الحكومة الانتقالية السورية، بغية بلورة تفاهم سياسي وأخلاقي يفضي إلى دعم الإدارات الذاتية في إعادة تركيب الخريطة السكانية للمنطقة، على أسس العدالة والإنصاف، لا على منطق الغلبة والفرض. فمسألة استعادة التوازن الديمغرافي لم تعد مطلبًا قوميًّا فقط، بل غدت شرطًا من شروط السلم الأهلي، وأحد ركائز أي مشروع وطني سوري جامع.

إن إعادة التوازن إلى التركيبة السكانية الكوردية في مناطقها التاريخية يجب أن تُطرح كأولوية سياسية غير قابلة للتأجيل، وكمهمة أخلاقية لا يمكن المساومة عليها. ذلك لأن تصحيح نتائج السياسات العنصرية، وكسر إرث الاقتلاع والتهجير، هو المدخل المفضل نحو شمال وشمال شرق سوري جديد، أي غربي كوردستان، لا يقوم على أنقاض الضحايا، بل على اعتراف متبادل، ومصالحة عادلة، وإنصاف حقيقي يعيد إلى الشعوب المظلومة ما سُلب منها باسم الدولة والشعارات الخادعة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/5/2025م

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…