كتاب «من أسقط التمثال؟- شهادات وحوارات في انتفاضة آذار الكردية 2004 » الحلقة السابعة عشرة (لقمان أيانة*)

بدأتْ المظاهرات في مدينتي بتاريخ 13 آذار، وتمّ اعتقالي بتاريخ 15 آذار من قبل دورية، واقتادتني لقسم أمن الدولة، وبعد التحقيق معي حوالي ساعتين وبحضور جميع الأجهزة الأمنية في المدينة وقسمٍ من الحرس الجمهوريّ، وبعدها أطلقوا سراحي على اعتبار أنّ مشاركتي كانت إيجابيةً في التظاهرة.

 وبتاريخ 30 آذار تم استدعائي من قبل الأمن الجنائي في الحسكة، وبعد مراجعتي للفرع تم توقيفي ونقلي إلى سجن الحسكة المركزيّ، وفي السجن تم استجوابي من قبل اللجنة الأمنية المشكّلة من كافة الفروع ومن الأجهزة المحلية والقادمة من دمشق..

بعد ثلاثة أيام تم نقلي ومن كان معي في السجن المركزيّ إلى قسم أمن الدولة ليلاً، وعند وصولنا تم تجريدنا من كافة ملابسنا، ووضعنا في الحمام وسكب الماء البارد علينا، وبعدها وضعونا في المنفردات عراةً..!.

وفي اليوم الثاني صباحاً بدأ التحقيق معنا والضرب بعد عصب العينين، واستمرّ التحقيق حتى الساعة 10 ليلاً، وبعدها أعطونا ملابسنا وبطانياتٍ من أجل النوم، واليوم الثالث مرّ كذلك بالتحقيق والتعذيب.. كنتُ شاهداً على تعذيب الشهيد فرهاد من خلال سماع صوته وصوت المحقّقين والضرب.

وفي 7 نيسان تمّت إعادتنا إلى سجن الحسكة، وبعد مدةٍ لا أتذكّرها بالتحديد تمّ نقلنا إلى سجن صيدنايا العسكري في دمشق عن طريق سيارة زيل عسكرية مغلقة، بعد عصب أعيننا ووضع البلاستيكية في أيدينا، واستمرّتِ رحلة النقل من الساعة 12 ليلاً حتّى وصولنا الساعة 11 صباحاً، والمعتاد في سجن صيدنايا هو حفل الاستقبال الذي استمرّ من الساعة 11 صباحاً حتى الساعة 5 مساءً، وبقينا في سجن صيدنايا مدّة شهرين وذلك لصالح اللجنة الأمنية. خلال هذه المدّة تمّ إطلاق سراح الكثير من المعتقلين، وتوقف بعد تحويلنا للقضاء واستجوابنا من قبل النيابة العامة العسكرية، وتحويلنا إلى قاضي التحقيق العسكرية وتبيّن لي بأنّ الجرم المسند لي هو جرمٌ جنائي الوصف، وتمّ تشكيل محاكمتين ميدانيتين عسكريتين لأجلنا نحن المعتقلين.

بالنسبة لي.. كان التعذيب الذي مورس بحقّي، في سجن صيدنايا قبل تحويلنا للقضاء، فظيعاً، ناهيك عن الشتم، وسبب ذلك هو أنّنا كنّا نحمل شهاداتٍ جامعيةً، وضباط السجن مقتنعون بأنّنا نحن من نظّم المظاهرات؛ لذلك كان نصيبنا أكبر من التعذيب.

وبعد تقديم طلبٍ من لجنة الدفاع من قبل المحامين للمحكمة العسكرية من أجل نقلنا إلى سجنٍ مدنيٍّ ولا قانونيةَ في الإبقاء علينا في سجنٍ عسكريٍّ وتمّت الموافقة على الطلب، وتمّ نقلنا إلى سجن عدرا.

أكثر من تابع وضعنا كمعتقلين وكان دائم الحضور في دمشق الراحل الأستاذ إسماعيل عمر بافي شيار، وحاول الكثير من خلال التواصل مع العائلات الكردية ذات النفوذ والمتواجدة في دمشق كعائلة كفتارو، وآل رشي؛ وذلك من أجل تحسين وضعنا في سجن عدرا، وكذلك الأستاذ خير الدين مراد كان من أوائل القيادات الكردية التي زارتنا في السجن.

كان لنا زياراتٌ يوميةٌ  من الأهل والأصدقاء من كلّ المناطق، وكذلك زيارات هيئة الدفاع من المحامين الذين كانوا يأتون من الحسكة وأذكر منهم المحامين الأساتذة: عبد العزيز أيو، وإبراهيم أحمد، وجميل إبراهيم، ومصطفى أوسو، وفيصل بدر، ورضوان سيدو، وعبد السلام أحمد، وتركي سلي، ودلشا أيو.

بعد مدّةٍ من الزمن، وبعد شعورنا نحن المعتقلين بأنّ مجموع الأحزاب الكردية لم تعد تهتمّ بملفّنا إعلامياً رغم متابعة هيئة الدفاع وكذلك استمرار الرواتب الشهرية لعوائل المعتقلين من المساعدات المقدمة من الجالية الكردية في أوروبا؛ كتبنا لمجموعة الأحزاب رسالةً نستفسر فيها عن سبب هذا التجاهل، وكان السؤال الرئيسيّ لرسالتنا هو: هل نحن معتقلو الحركة الكردية أم لا..؟ وكان الجواب على رسالتنا برسالةٍ كتابيةٍ حملها لنا كلٌّ من السادة الأستاذة: فؤاد عليكو، وفيصل يوسف، وسعود ملا، وإقرارهم بأنّنا معتقلو الحركة الكردية وهم ملتزمون بذلك.

 

*محام و كاتب من معتقلي الانتفاضة

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في ربيع عام 2004، بعيد انتفاضة آذار الكردية، بدأت أغلبية أطراف الحركة الوطنية الكردية تزعم أنها تسعى جديا لتأسيس إطار سياسي يكون مرجعية للكرد السوريين، يحدد ماهية القضية الكردية وعلاقة الحركة الكردية بالقوى الوطنية في البلاد، على أن يعمل هذا الإطار على تضافر جهود مختلف الأحزاب المنضوية فيه لتنظيم وتعبئة جميع شرائح المجتمع الكردي، والمساهمة في إحداث التغيير…

د. محمود عباس فهذا الشاهد من الدلائل اللافتة على الحضور الكوردي في البنية العسكرية للإمبراطورية الساسانية. فقد أورد الشاعر الجاهلي عدي بن زيد، المولود نحو سنة 550م والمتوفى نحو سنة 600م، وصفًا للجيوش الساسانية التي أرسلها كسرى أنوشروان، في أواخر عهده، إلى اليمن لدعم سيف بن ذي يزن وطرد الاحتلال الحبشي. وتُؤرَّخ هذه الحملة غالبًا في حدود سنة 570م، ضمن…

ماهين شيخاني 1. بعد عام 2011، لم تكن المفاجأة الكبرى هي سقوط الأنظمة، بل كانت مفاجأة أخرى، أشد ألماً وإيلاماً: سقوط الحركة الكوردية في فخها الخاص. كانت البدايات واعدة. ثمة فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الكوردي، لانتزاع الحقوق التي طال انتظارها، ولوضع حدٍّ لسنوات من التهميش والإقصاء. لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأساً على عقب. لم تكن القضية بحاجة إلى…

أمل حسن تتجاوز المرأة الكردية في حضورها الملامح التي صاغتها الطبيعة من طهر الثلوج وصلابة الصخور، لتكون هي حكاية نضال ممتدة من بيوت الطين وجبهات الصمود إلى ساحات الثقافة والمهرجانات. هي التي تحمل في عينيها بريق الحرية، وفي خطواتها شموخ الجبال. عندما تسير في الساحات، لا تمشي كأي امرأة؛ بل تحمل في عباءتها عبق التاريخ، وفي ثوبها الفلكلوري الملون ثورة…