الدكتور علاء الدين عبد الرزاق جنكومن حرم قليل الحرية عشق مطلقها، ومن عاش انضباط الدكتاتورية يهوى فوضى الحرية بأي شكل من الأشكال، تلك هي طبيعة الإنسان .
ربما الكثير يتعجب من عنوان مقالتي، ويتساءل هل للحرية دكتاتورية ؟
الكثير منا ممن حرم الحرية في أبسط صورها يفرغ جام غضبه بتصرفات ما يملكه من حرية ناسيا ضوابطها على شخصه ومجتمعه، متصورا أنه يحقق إنجازا يعجز عنه الآخرون !!
وصورة هذه المسالة واضحة فينا فعلى سبيل المثال لا الحصر، نتعامل مع الحرية الشخصية في المجال الأسري بطريقة ننتقم من خلالها من سالبي حريتنا العامة ! وذلك بإفساح المجال أمام كل ما هب ودب متصورين أن وضع الضوابط إنما هو تعاون غير مباشر مع سالبي الحرية !!
والأب يكتم على أنفاس أولاده عندما يمنعهم من الشر ويحكمهم بقبضة حديدية عندما يأمرهم بالفضائل !!
لا أدري ما الذي يجري لمجتمع تتغير فيه الأحوال من سنة لأخرى بصورة جنونية !!
الكثير يعود بالسبب إلى حالة الفقر الذي يعيشه الناس ، قد أتفق معهم لدرجة معينة ، ولكن أن يؤدي إلى الهلاك الخلقي أعتقد أن ذلك مبالغ فيه .
المطالبة بالحرية من أسمى غايات الإنسان وأنبل المطالب لأنها هبة ربانية لا منة بشرية ، وكل الأديان والمبادئ تدعو إلى ذلك ، ومن يقف في طريقها يكون حجرة عثرة أمام بناء الإنسان !!
ولكن لا بد من بناء صروح الحرية بقواعد صحيحة وصالحة وقوية غير هشة، أساسها احترام الخير المحمي بسياج الأخلاق وحمى المبادئ السامية من خلال مجتمع يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
ولا يفسح المجال أمام تجار الرذيلة بدواعي الحرية ، والأمم تقاس بأخلاقها وقيمها لا بشعاراتها البالونية الفارغة من محتواها !!
المجتمع الذي يكون شعاره (حلال على الشاطر) مجتمع مريض تصعد فيه اللاأخلاقية على حساب القيم والمبادئ السامية ، وتضيع فيه الذمم ، وتفقد الثقة بأصلح الناس فضلا عن الآخرين .
ومن يتصور أن الناس غافلون عما يجري يعيش أوهام الجشع والطمع.
لست هنا في موقف الواعظ أو الحاكم بأمر الله ولكني فرد من أبناء مجتمع يرى مالا يقبله العقل ولا النفوس السليمة ، وأعتقد حتى أولئك المتورطين بهذا البلاء يحملون بين جنباتهم جينات الخير ، لكنها تحتاج إلى صحوة من نوم عميق .
كلنا ملتزمون أن نربي أبناءنا على حب الحرية وعشقها ، لكني لا أقبل قطعا أن يكون ولدي فوضويا في حريته ، فجيب أن يعلم أن حدود حريته تنتهي عند حقوق الآخرين .
ومن يتصور أن الحرية تكمن في جانب واحد فقط من حياة البشر يجهل حقيقة الحرية والإنسان !!
وإذا كان من يتصور أن حقيقة الحرية تكمن في إطلاق تصرفات الإنسان في بيئة يحكمها شريعة الغاب ، فأتصور أن قمة الحرية تكمن أن أكون عبدا لله وحده وأتحرر من عبودية مخلوقاته ، وأن لا أسجد لشجر ولا حجر ولا درهم ولا بشر !!
حينها سأعيش نعيم الحرية ونسيمها حتى لو كنت محروما منها ، لأني سأتحرر من دكتاتوريتها وبطبيعة الحال سأكون متحررا من دكتاتورية الفوضى …






