أخوة الكرد والعرب في سوريا: تاريخ مشترك ومسؤولية مصيرية

إبراهيم اليوسف
 
منذ بدايات تأسيس سوريا، غدا الكرد والعرب شركاء في الوطن، الدين، والثقافة، رغم أن الكرد من الشعوب العريقة التي يدين أبناؤها بديانات متعددة، آخرها الإسلام،  وذلك بعد أن ابتلعت الخريطة الجديدة جزءاً من كردستان، بموجب مخطط سايكس بيكو، وأسسوا معًا نسيجًا اجتماعيًا غنيًا بالتنوع، كامتداد . في سوريا، لعب الكرد دورًا محوريًا في بناء الدولة الحديثة، لكن هذا الدور تعرّض للإقصاء والتهميش بسبب سياسات قوموية عمدت إلى طمس خصوصيتهم الثقافية والقومية، وحرمتهم من حقوقهم المشروعة كشعب أصيل.
الكرد في تأسيس سوريا والدور المبكر
مع تأسيس الدولة السورية في أوائل القرن العشرين بعد انهيار الدولة العثمانية، كان الكرد من أوائل المشاركين في بناء سوريا. أسماء مثل محمد علي العابد (1932-1936)، حسني الزعيم (1949)، أديب الشيشكلي (1953-1954)، فوزي سلو (1951-1953)، ناهيك عن آل البرازي والأيوبي وغيرهم وغيرهم، تمثل أبرز الرؤساء السوريين والقادة من أصول كردية الذين عملوا على إرساء دعائم سوريا الحديثة. هؤلاء الرجال لم يتعاملوا مع المناصب التي شغلوها من منظور قومي ضيق، بل كرسوا جهودهم لخدمة المشروع الوطني السوري.
ورغم إخلاصهم، لم تقبل بعض التيارات القومية المتشددة هؤلاء القادة بسبب أصولهم الكردية. هذه الموجة من العداء تفاقمت مع تصاعد التيارات القومية العربية في منتصف القرن العشرين، والتي بدأت تتعامل مع الكرد كعقبة أمام مشروع “البوتقة العربية”أي بعد صعود القومويين من: ناصريين وعفالقة. أرسوزيين
الفاشية التي أجهزت على الأخوة:
أوتصاعد القومية البعثية وسياسات الإقصاء
مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، شهد الكرد تهميشًا ممنهجًا. استلهم الحزب سياساته الفاشية من تجربة مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، حيث تم حظر اللغة الكردية ومنع أي تعبير عن الهوية الكردية في سوريا. حتى في المناصب الحكومية، تم تهميش الكرد، إذ لم تُسند لهم أي مناصب وزارية أو قيادية إلا في حالات شكلية ضمن إطار الجبهة الوطنية التقدمية، التي كانت تُدار من قبل الحزب الحاكم الذي أفرغها من محتواها، واستخدمها، تدريجياً، كواجهة ومؤسسة تابعة!
خلال عهد حافظ الأسد (1971-2000) ومن بعده بشار الأسد (2000-2024)، تفاقمت السياسات التمييزية. تم تنفيذ مشاريع مثل “الحزام العربي الذي أقر سنة 1965 تنفيذاً لتوصيات المجرم محمد طلب هلال ونفذها حافظ الأسد سنة 1974 بالمرسوم رقم 521″ ” والإحصاء الفاشي”عام 1962، الذي أدى إلى تهجير آلاف الكرد من مناطقهم في الجزيرة السورية وإحلال عائلات عربية بديلة. هذه السياسات أثرت بشكل عميق على النسيج الاجتماعي، وهددت العلاقة التاريخية بين الكرد والعرب.
التدخلات الإقليمية وتصاعد الاستهداف
مع بداية الأزمة السورية في عام 2011، استغلت القوى الإقليمية الوضع لتحقيق مصالحها، وكان الكرد هدفًا رئيسيًا لهذه التدخلات. إذ أن تركيا، وبدعم من فصائل مسلحة، شنت حملات عسكرية على مناطق الكرد، كما حدث في عفرين عام 2018، وسري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) في 2019. الهدف من هذه العمليات كان التغيير الديموغرافي وتهجير السكان الكرد وإحلال سكان جدد غيركرد في هذه المناطق!؟
إيران، بدورها، سعت إلى تقويض أي مشروع كردي يمكن أن يشكل تهديدًا لنفوذها الإقليمي.  كما لعب حزب الله و الفصائل التابعة له دورًا في هذا السياق، بالتوازي مع الحملات الإعلامية التي شوهت صورة الكرد وسعت لربطهم بمشاريع معادية للعرب والمسلمين.
الطريق إلى المستقبل
لا خيار أمام الكرد والعرب في سوريا- لاسيما بعد سقوط نظام البعث- سوى التآخي والعمل معًا لمواجهة التحديات المشتركة. إذ يشكل الكرد والعرب القوميتين الأكبر في البلاد، ومن الضروري أن يجدا صيغة مشتركة لبناء دولة حديثة تقوم على العدالة والمساواة. إن بناء سوريا الجديدة يتطلب الاعتراف الكامل بحقوق الكرد كشعب أصيل وضمان مشاركتهم الفاعلة في نظام لا مركزي فيدرالي يحترم الخصوصيات الثقافية والقومية لجميع المكونات.
الحاجة إلى الضغط الدولي
يتعين على المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته في الضغط على تركيا والفصائل المسلحة التابعة لها لإنهاء سياسات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي ضد الكرد. الحرب الممنهجة ضد الكرد ليست مجرد أزمة داخلية، بل هي جزء من حرب إقليمية تتطلب تدخلًا دوليًا لضمان حماية الكرد وضمان حقوقهم ضمن إطار الدولة السورية.
من هنا، نجد أن أخوة الكرد والعرب في سوريا ليست مجرد مسألة تاريخية، بل هي ضرورة مصيرية لبناء مستقبل مشترك. وأن بقاء سوريا موحدة ومزدهرة يعتمد على القدرة على تجاوز السياسات الإقصائية والعمل على تحقيق مصالحة وطنية شاملة تضمن لكل مكون حقه في التعبير والمشاركة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر، لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟ تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟…

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…