زارا سيدا
صباح الخير. في الغد سيصبح لدينا رقم جديد يشقّ سابقه في موسوعة غينيس: ميت ينصّب نفسه سكرتيراً، ويعلن أنه «يسعى إلى وحدة الحركة الكردية»، ثم يجلس ليستقبل رسائل التهنئة المتخشبة من حلفائه الذئاب، أولئك الذين نهشوا جسده في الموتة السابقة، وجاؤوا الآن يباركون له موتته الجديدة.
في الغد، أو بعده، ستضيفون صفحة جديدة إلى فيسبوك، وتكتبون بلغة رمادية ركيكة بياناً عن نجاح مؤتمركم. ولا بد أن يطلّ عبر الفيديو «رفاق» من أصقاع الأرض، ليكتمل مشهد الانتشار الكوني لحزب تضيق به غرفة. ستستعرضون «شرعيتكم» وشعبيتكم التي لا تهزّها الزلازل؛ لا لمتانتها، بكل أسف، بل لأن ما بلغ هذا الحد من الضآلة يصعب أن تجد الزلازل ما تهزّه فيه، بعد أن فشلت كوارث ما بعد سقوط نظام الأسد في أن تحرك شيءً داخلكم سوى رغبة التسابق في الوصول إلى دمشق ولقاءات هامشية مع كركزوات السلطة لا أركانها، بظهور أقل من عابر.
لن يجرؤ أحدكم على وخز ذاته البالونية بدبوس صغير، فيطيّر كل الأوهام التي ينفخها منذ شهور، سيكتفي بالضغط على فوهة بالونه، ليُخرج بيانته على دفعات، صريراً حادّاً ومتقطعاً، ينثره على أنصاره بتروٍّ، ويسمّيه “مواقف سياسية”. وكأنكم تطعمون عصافير لا تريدون لها حتى أن تكبر أو تطير.
في الصباح الباكر، قبل أن ينطلق جامعو الخبز اليابس، سيهرع كل «سكرتير» إلى فتح «مكتبه»، ويحثّ رفاقه على فعل الشيء نفسه في كل مدينة أمّن فيها بضعة أنصار ولافتة وباباً. سيرتدي أشيك ما لديه، كطفل ضخم في صباح العيد، حائر بين اللحاق بأقرانه الصغار والوقوف إلى جوار والده في غرفة الضيوف، يقدّم الحلوى ويسكب القهوة، منتظراً أن يعامله أحد بوصفه رجلاً كبيراً.
لكن واقعنا أمرّ من القهوة التي تستفتحون بها نهاركم «السياسي»، ولن تحلّيه انتصاراتكم المعلّبة، ما لم تنتصروا، ولو مرة واحدة، على أنفسكم.
أما الصورة التذكارية لأعضاء القيادة، فلن تتعب المصوّر كثيراً. الوجوه نفسها ستتوزع على صورتين، وربما يتغيّر موضع الكرسي في الوسط. وسنظل نتلعثم في أسماء أحزابكم، ونخلط بين «الديمقراطي» و«الكردستاني»، وهما صفتان بريئتان مما تفعلونه باسمهما. وحدها الصور ستوحي بأن الجميع على قيد الحياة، مع أن الحزب مات منذ سنوات، ولم يشعر القائمون على جثمانه بشيء؛ فما لجرح بميت إيلام.
مات الحزب يوم بدأ يأكل أبناءه، ويستنزف خيرة رفاقه، أولئك الذين حملوا النضال على أكتافهم في المعتقلات، وفي ساحات التظاهر بدمشق، وفي المدن الجامعية. أولئك الذين اقتطعوا من دفء بيوتهم وأوقات أطفالهم ساعات طويلة، ليفتحوا الأبواب لضيوف ندوة سياسية، يوم كانت السياسة التزاماً يُدفع ثمنه، لا مقعداً يُتنازع عليه.
مات يوم بدأ ينزف قامات في الفكر والقلم والنضال، فيما قيادته مطمئنة إلى سلامة الكراسي. لم يعبأ بما يخسره، ولم يدرك أن الحزب قد يفرغ من معناه فيما يبقى ختمه في الدرج ولافتته على الحائط.
مات يوم صار الاختلاف في الرؤية خروجاً على القيادة، وصارت القيادة اسماً آخر للاستئثار بالقرار والرؤية والمستقبل. ويوم نُسي أن المناصب في هيئات المعارضة السورية مسؤوليات، لا مصالح ولا أوسمة تشريف تُعلّق على صدور أصحابها.
خسر يكيتي نصف ذاته حين لم يدرك لعبة «الاتحاد السياسي»، ولا عقلية خصمه الذي أتقن مهنته المفضلة بوصفه «قابلة قانونية» للانشقاقات. ظلّ يولّد من الحزب أحزاباً، حتى صارت الحركة بحاجة إلى مجهر كي تتعرّف إلى بعض مكوّناتها؛ كيانات بلا حضور وفعالية مثل من كان “ينجح” في انتخابات مجلس الشعب السورية عبر قائمة الظل الأمنية.
ثم جمعهم الخصم في «مجلس»، يختزله في شخصه حين تلوح المصلحة، ويعيده إطاراً على الحائط حين يحتاج إلى صورة جماعية. يدخل الجميع الصورة، ويبقى القرار خارجها.
كلا طرفَي خلاف اليوم ميت سياسياً منذ ما قبل الانشقاق السابق. ذلك الانشقاق الذي عاد أكبر ضحاياه، بعد حين، إلى منزله مستقلاً، فيما اختلف مهندسوه، وفصّل كل منهم «حزباً» على مقاسه؛ يتّسع لطموحه، ويضيق بمن ينازعه ضرورة أن يكون هو السكرتير. وفي تلك الجولة، وقف طرفا خلاف اليوم معاً لقطع الطريق أمام المجموعة المذكورة للوصول إلى قيادة الحزب. كان الاتفاق ممكناً يومها، ما دام الكرسي مهدداً من جهة ثالثة.
اليوم، لكل طرف حساباته في إعادة تقديم نفسه، وترتيب ظهوره، بعد تفاهمات مسبقة مع من سيمثّله في هذه المدينة أو تلك. يجري توزيع الأدوار قبل رفع الستارة، ثم يُدعى الجمهور لمشاهدة «إرادة القواعد».
لا ينطلق أيّ من الطرفين من رؤية سياسية أو خطة لإنقاذ الواقع الكردي. فالركض خلف عبد الحكيم بشار والتصفيق له ليس سياسة، كما أن الركض خلف محمد إسماعيل والتصفيق له ليس سياسة أيضاً. تغيير وجهة التصفيق لا يصنع مشروعاً، ولا تتحوّل الأيدي إلى عقول بمجرد انتقالها من صف إلى آخر.
كنت سأرى في الانشقاق حلاً لو حمل خلافاً فكرياً، أو رؤية للمستقبل، أو اختلافاً في الأدوات والبرامج، ولو تأخّر ظهور ثماره. لكن ما الذي ينشقّ هنا عن ماذا؟ كلا الطرفين يتمسّك بالتمثيل في “المجلس” الميت، ويسعى إلى البقاء فيه بأي ثمن، حتى على طريقة شلال كدو الهوليودية. وكلاهما مترهّل، يفتقر إلى الأدوات، ويفقد ما تبقّى من مناضليه، فيما يبدّد من رصيد تاريخه في مواجهة آلة الاستبداد البعثية ليغطّي كلفة البقاء على الكرسي.
ارحموا تاريخكم، وذواتكم التي تعبت وهي تئنّ تحت نير الخلافات والمصالح الضيقة. ارحموا اسم يكيتي الذي كان يرعد جبروت البعث، قبل أن يصبح مادة لبيانات يتنازع أصحابها حقّ الاحتفاظ بالاسم والختم.
وأرجوكم، ارحموا عقولنا. كفّوا عن تصدير الأوهام والاتهامات، وعن دعوتنا، في كل مرة، إلى استقبال انشقاق جديد كما لو أنه مولود طال انتظاره.
فليس كل ما تتولّى «القابلة» إخراجه إلى العالم حيّاً.
وكل انشقاق وأنتم بخير.




