مقالات

التغريبة الكوبانية: جرحٌ في ذاكرة التاريخ

د. عدنان بوزان

في التاسع عشر من أيلول عام 2014، لم يكن الصباح يشبه الصباحات التي عرفناها في كوباني؛ كان صباحاً ثقيلاً كأن السماء نفسها كانت تعرف ما ينتظر المدينة، وكأن باباً أسود قد فتح على مصراعيه أمام واحدة من أكثر صفحات الذاكرة الكوبانية قسوةً ومرارة. في ذلك اليوم لم نغادر كوباني لأننا أردنا الرحيل، ولم نحمل ما استطعنا من متاع لأننا مللنا من ترابها، ولم نترك بيوتنا بحثاً عن حياةٍ أخرى؛ خرجنا لأن الموت كان يزحف نحونا، ولأن مدينةً كاملة وجدت نفسها في مواجهة مصيرها، بينما كان عليها أن تدفع وحدها ثمن حربٍ لم تخترها، وقسوةٍ لم تستحقها، وظلمٍ تجرد من أبسط معاني الضمير والإنسانية. خرجنا من كوباني لاجئين من موتٍ مؤكد، لا مهاجرين بحثاً عن مستقبل؛ تركنا الأبواب والنوافذ والموائد والكتب والصور والملابس، تركنا قبور الآباء والأجداد، وتركنا وراءنا طفولةً كاملة لم نكن نعرف أنها ستتحول في لحظة واحدة إلى منفى.

كان الطريق يومها أطول من العمر، ولم تكن القافلة قافلة عابرين، بل كانت مدينةً كاملة تمشي على قدميها: نساء يحملن أطفالهن، وشيوخ يجرون أجسادهم المثقلة بالعمر، وأمهات يلتفتن إلى الخلف كأنهن يحاولن أن يحفرن صورة المدينة في أعماق عيونهن قبل أن يبتلعها الغبار. كان الطفل يسأل: «إلى أين نذهب؟»، ولا أحد يملك جواباً؛ وكانت الأم تقول: «سنعود»، وهي تعرف في أعماقها أن «سنعود» لم تكن وعداً بقدر ما كانت آخر ما تستطيع أن تمنحه لطفلٍ يرتجف بين يديها. في ذلك اليوم لم تهجر أجسادنا وحدها، بل هجرت أرواحنا أيضاً؛ هُجّر معنا خبز الأمهات، ورائحة التراب بعد المطر، وضحكات الأطفال في الأزقة، وأغاني الأعراس، وأسماء الموتى، وذاكرة البيوت التي لم يكن في وسع أحد أن يحملها في حقيبة. كان علينا أن نركض كي لا نموت، ويا لها من مفارقة موجعة أن يصبح الإنسان مضطراً إلى الهرب من المكان الذي ولد فيه وعاش عمره، لا لأنه خان المكان، بل لأن الموت جاء إليه دون استئذان. هربنا نحو أقصى الشمال ونحن نحمل كوباني في صدورنا، وكانت الحدود يومها أكثر من خطٍ بين أرضين؛ كانت جرحاً مفتوحاً بين الإنسان وبيته، وكان خلفنا وطنٌ يتعرض للنار، وأمامنا غربةٌ لا نعرف كم ستطول. ومع كل خطوة نبتعد بها عن المدينة كان شيءٌ منا يبقى خلفنا؛ بعضنا وصل، وبعضنا لم يصل، بعضهم مات في الطريق، وبعضهم مات بعد الطريق، وبعضهم بقي حياً بجسدٍ يمشي بين الناس، بينما ظل قلبه عالقاً هناك، عند اللحظة التي أُغلقت فيها أبواب البيت للمرة الأخيرة. هناك من مات غريباً ومفتاح بيته في جيبه، وهناك من عاش سنواتٍ طويلة ولم يستطع أن يتصالح مع حقيقة أنه أصبح لاجئاً في وطنه، وهناك أم دفنت عمرها في حقيبة صغيرة، وأب ظل ينظر جنوباً كلما اشتاق إلى بيته، وطفلٌ كبر قبل أوانه لأن الحرب علمته في ليلة واحدة ما لا يتعلمه الإنسان في عمر كامل. أما الذين صنعوا هذا الخراب، أو صمتوا أمامه، أو نظروا إلى المأساة بعيونٍ باردة، فليعلموا أن التاريخ قد يتأخر في إصدار أحكامه، لكنه لا ينسى؛ فالخرائط تتبدل، والرايات تسقط، والأسماء تختفي، لكن ذاكرة المظلوم لا تموت.

وكوباني لا تنسى؛ لا تنسى الذين جعلوا من أهلها قوافل هاربة من الموت، ولا تنسى الذين رأوا في مأساتها رقماً عابراً في حسابات الحرب، ولا تنسى من تعامل مع الإنسان الكوباني وكأنه فائض عن الحاجة، ومن رأى في دموع أمهاته تفصيلاً صغيراً أمام مصالح السياسة وحسابات القوة. نحن لا نتحدث عن يومٍ عابر، بل عن التاسع عشر من أيلول؛ عن يومٍ انكسرت فيه أشياء كثيرة داخلنا، وبدأت فيه تغريبة لم تنتهِ بانتهاء المعركة، لأن التغريبة ليست أن تترك مدينتك فقط؛ التغريبة أن تعيش بعدها في كل مكان ولا تجد مكانك، أن تنام في بيتٍ آمن وتفتقد سقف بيتك الأول، أن تمشي في شوارع جديدة فيما تبحث قدماك عن الأزقة التي حفظتها منذ الطفولة، أن تسمع لغاتٍ أخرى بينما قلبك لا يزال ينادي بأسماء الأماكن التي تركتها خلفك، أن تكبر بعيداً عن شجرةٍ كنت تعرف ظلها، وأن يموت بعضك بعيداً عن قبرٍ كنت تريد أن تدفن إلى جواره؛ أن يتحول الوطن من مكانٍ تسكنه إلى وجعٍ يسكنك. ولهذا فإن تغريبة كوباني ليست حكاية آلاف الذين عبروا الحدود في ذلك اليوم فحسب، بل جرحٌ امتد داخل أجيال كاملة؛ أطفال حملوا الخوف معهم إلى مدارس الغربة، ونساء حملن بيوتهن في الذاكرة، ورجال أخفوا دموعهم كي لا يخاف أطفالهم، وشيوخ رحلوا وهم يحلمون بنظرة أخيرة إلى أرضهم، وموتى لم تمنحهم الغربة حتى فرصة العودة إلى التراب الذي أحبوه. يا كوباني، في التاسع عشر من أيلول لم نترككِ بإرادتنا؛ لقد أُجبرنا على ترككِ، وهذا الفرق وحده يكفي لتعرف الأرض من كان الظالم ومن كان المظلوم. خرجنا منكِ لأن الموت كان أقرب إلينا من أي وقتٍ مضى، لكننا لم نستطع أن نخرجكِ من أرواحنا؛ خرجنا مثقلين بالخوف، وقلوبنا تنزف خلفنا، وحين عبرنا الحدود لم نعبر وحدنا، بل عبرت معنا البيوت والأشجار والمقابر والحكايات وأسماء الذين ماتوا، وعبر معنا سؤالٌ ما زال معلقاً في الهواء حتى اليوم: كيف يمكن لإنسانٍ أن يقتلع من بيته ثم يطلب منه أن يعيش وكأن شيئاً لم يحدث؟ لقد حدث الكثير؛ مدينةٌ كاملة ذاقت مرارة الاقتلاع، وأجيالٌ كاملة تعلمت أن الغربة ليست دائماً اختياراً، وأن المنفى قد يبدأ بخطوةٍ واحدة على طريقٍ لا يعرف الإنسان أين ينتهي. وفي كل التاسع عشر من أيلول، حين يعود التاريخ، لا تعود الذكرى وحدها؛ تعود الطرق والغبار والوجوه والأمهات والشيوخ والأبواب المفتوحة، ويعود ذلك الطفل الذي كان يسأل: «إلى أين نذهب؟» وما زال السؤال معلقاً في الهواء، لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن جواب، بل تبحث عن عدالة.

التاسع عشر من أيلول ليس تاريخاً في تقويمنا، بل جرحٌ في ذاكرة مدينة، ويومٌ خرجت فيه كوباني من جغرافيتها لتسكن إلى الأبد في قلوب أبنائها. وسنبقى نتذكر، لا لأننا نعشق الحزن، بل لأن من ينسى اقتلاعه الأول قد يعتاد الاقتلاع؛ سنذكر الذين ماتوا في الطريق، والذين ماتوا في الغربة، والذين عاشوا يحملون وجعاً لم يجد له وطنٌ كاملٌ مكاناً، لأن بعض الموتى لا يحتاجون إلى قبورٍ كي يبقوا؛ يكفي أن يسكنوا في ذاكرة مدينةٍ كاملة. كوباني، خرجنا منكِ ذات يوم هرباً من الموت، لكننا لم نعرف أننا سنحمل معنا ما هو أقسى من الموت: ذاكرة وطنٍ لا نستطيع أن ننساه، ولا نستطيع أن نعود إليه كما كنا.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب

كل انشقاق وأنتم بخير

زارا سيدا صباح الخير. في الغد سيصبح لدينا رقم جديد يشقّ سابقه في موسوعة غينيس: ميت ينصّب نفسه سكرتيراً، ويعلن أنه «يسعى…