نيران التغيير، وربما التقسيم تقترب من تركيا، هل ستنقذها الفيدرالية؟

د. محمود عباس
 
تركيا لن تكون بمنأى عن تأثير الربيع العربي، والذي قد يمتد ليطال ليس فقط السلطة الحاكمة، بل بنية الدولة ذاتها، سواء على المستوى القومي أو السياسي والاقتصادي.
يدرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه الحقيقة، ولهذا يتمسك بأدواته المتطرفة التي تشمل التنظيمات الإرهابية الإسلامية والمرتزقة، مستخدماً أسلوب الخداع حتى مع أقرب حلفائه كإيران وروسيا، بينما ينفذ أوامر الولايات المتحدة ويدعم مصالحها، على أمل أن تتمكن الأخيرة من إنقاذ تركيا من أزمات محتملة أو تجنبها سيناريو التشتت والانقسام.
لكن النار التي اشتعلت في الشرق الأوسط، والتي حاول أردوغان إخمادها عبر تدخلاته في سوريا وليبيا ودول أخرى مجاورة، من خلال ميليشياته، قد لا تلبث أن تصل إلى تركيا نفسها. وفي المستقبل القريب، قد تجد تركيا نفسها في مواجهة اضطرابات داخلية واسعة النطاق، وتوسع خلافاتها مع الدول الإقليمية والكبرى، تهدد كيانها الموحد.
 يحاول أردوغان التشبث بزمام الأمور عبر استغلال الديمقراطية التي تلاعب بها من خلال تغيير الدستور بين الحين والآخر، في محاولة لترسيخ قبضته على السلطة. ومع ذلك، فإن هذه التعديلات التي تهدف إلى تعزيز سلطته الشخصية ليست حلاً، بل تزيد من هشاشة الدولة وتسرّع من تفاقم الأزمات الداخلية، خاصة مع تفشي المنهجية الفوقية والعنصرية داخل المجتمع التركي، سواء في التيار القومي أو الإسلامي، والذي تزايد تأثيره بعد صعود تركيا إلى مصاف الدول العشرين الأقوى اقتصادياً في العالم.
مصير تركيا قد لا يختلف كثيراً عن مصير سوريا إن استمرت السياسات الحالية. الحل الوحيد الذي قد ينقذها يتمثل إما في تبني نظام فيدرالي متطور يضمن التعددية والعدالة، أو في مواجهة واقع التقسيم، حيث ينقسم البلد إلى عدة كيانات. وفي هذه الحالة، قد تعود تركيا إلى حدود تضاهي تلك التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو، لتقتصر على أنقرة ومناطقها المحيطة.
تركيا ليست بأعظم ولا أكثر تأثيراً من الإمبراطورية العثمانية التي كانت يوماً ما إحدى أكبر القوى العالمية، ومع ذلك انهارت واندثرت تحت وطأة التغيرات السياسية والاجتماعية والتاريخية.
إن ما يبدو الآن كسيطرة سياسية قد يكون وهماً أمام تحديات داخلية وخارجية تعصف ببنية الدولة ومؤسساتها، مما يجعل السؤال مفتوحاً حول مستقبل تركيا في ظل هذه التحولات.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
18/12/2024م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…