الكورد وترامب.. وضبابية المشهد المستقبلي

عزالدين ملا

بعد أن كان العالم يراقب الانتخابات الأمريكية ونتائجها، والتي انقسم بين من يريد هذا المرشح أو ذاك حسب سياسة كل منها ومصالحها، وما إن صدرت النتائج، خيّم هدوءٌ على الجميع، وبدأ بالظهور توقعات وآراء جديدة. فمع فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في الخامس من تشرين الثاني، يتساءل الكثيرون عن تأثير هذا الحدث على السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الحيوية التي تشهدها المنطقة، مثل الأزمة السورية، العراق، اليمن، العلاقات التركية- الكوردية، وتطلعات الكورد نحو الاستقلال أو حكم ذاتي.

في هذا السياق، تأتي أهمية تحليل سياسة ترامب في الشرق الأوسط خلال ولايته الثانية، بما في ذلك علاقات الولايات المتحدة مع دول المنطقة والتعامل مع قضايا الحقوق السياسية والديمقراطية، وكذلك التوقعات حول موقفه من الكورد وتوجهات السياسة الأمريكية.

منطقة الشرق الأوسط تستمر في تموج من الأزمات والصراعات المعقدة، من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا. من المرجح أن يعزز فوز ترامب السياسة الأمريكية التي تتسم بالاهتمام بالمصالح المباشرة دون الانخراط في حلول دبلوماسية طويلة الأمد. وقد يميل إلى تعزيز تحالفات الولايات المتحدة التقليدية مثل مع إسرائيل والسعودية، التي ترى في ترامب حليفا قويا في مواجهة إيران. هذا التوجه قد يؤدي إلى مزيد من التوترات مع الدول التي تتابع العلاقات المعقدة مع واشنطن مثل تركيا وإيران، ويزيد من عزلة بعض الدول العربية التي تسعى لتقوية العلاقات مع أمريكا.

وفي اعتقادي قد يتبع ترامب سياسة أمريكا أولًا في التركيز على الانسحاب من التدخلات العسكرية المكلفة، كما فعل في السابق بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان. لكنه في الوقت نفسه قد يعزز وجوداً عسكرياً محدوداً في نقاط استراتيجية، خاصة لمواجهة النفوذ الإيراني والروسي في المنطقة. بالنسبة للكورد، قد يُبقي ترامب دعماً عسكرياً محدوداً للقوات الكوردية في سوريا والعراق في إطار مواجهاتهم مع تنظيمات مثل داعش، لكنه قد يتجنب الالتزام بمصير طويل الأمد للكورد في ظل الضغوط التركية.

من الممكن أن يتجنب ترامب التدخل في القضايا الداخلية للدول الأخرى عندما لا يكون له تأثير مباشر على المصالح الأمريكية. لذا، من غير المرجح أن يكون لديه أجندة كبيرة لدعم الديمقراطية أو حقوق الإنسان في هذه الدول، خاصة مع الحلفاء مثل تركيا، حيث ستظل قضايا حقوق الكورد تُعامل بحذر. في سوريا، سيكون ترامب أكثر اهتماماً بمحاربة الجماعات الإرهابية مثل “داعش” بدلاً من الانخراط في دعم تحولات ديمقراطية.

من المحتمل أن يشهد الشرق الأوسط مزيداً من التصعيد العسكري أو بقاء الوجود الأمريكي في نقاط استراتيجية حساسة، مثل الخليج العربي. إلا أن ترامب سيحاول تجنب التورط في صراعات جديدة، لكنه في الوقت نفسه قد يبقي على وجود عسكري قوي في مناطق معينة مثل العراق وسوريا لمواجهة النفوذ الإيراني وتهديدات التنظيمات إرهابية.

اعتقد أن ترامب سيواصل دعم قسد (قوات سوريا الديمقراطية) في سوريا في مواجهة داعش، لكنه قد يقلل من الدعم العسكري إذا تطلب الأمر تحسين العلاقات مع تركيا. في العراق، الدعم الأمريكي للكورد قد يظل قائماً في إطار مكافحة الإرهاب، لكن مع مزيد من الضغوط على الكورد لتجنب التوترات مع بغداد.

من جهة أخرى، أعتقد أن فوز ترامب قد يكون له تأثير مختلط على الاقتصادات الإقليمية. قد يعزّز الصفقات الاقتصادية مع حلفائه مثل السعودية والإمارات، لكنه قد يتجنّب تقديم دعم اقتصادي كبير لمناطق مثل كوردستان العراق وسوريا إلا إذا كان ذلك يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية. على المدى الطويل، وقد يحد من الدعم الاقتصادي المباشر للكورد إلا في حالة تعاونهم في مواجهة داعش أو إيران. ومن غير المرجح أن تبني الولايات المتحدة سياسة اقتصادية مستقلة لدعم الكورد بشكل مميز وواضح. الدعم الاقتصادي الأمريكي للكورد في العراق وسوريا قد يستمر في إطار مساعدات الإغاثة وإعادة الإعمار في مناطقهم التي تعاني من دمار الحرب، لكنه لن يشمل استثمارات كبيرة إلا إذا كانت هناك فرصة لتحقيق استقرار سياسي في تلك المناطق.

لا أعتقد، أن يتبنى ترامب سياسة دعم استقلال كوردستان العراق أو تطور مناطق الإدارة الذاتية الكوردية في سوريا. بدلاً من ذلك، سيحاول الحفاظ على العلاقات المتوازنة بين الكورد والحكومات المركزية في العراق وسوريا وتركيا. وسيستمر في دعم الكورد ضمن الإطار العسكري ضد “داعش”، لكن دون أن يتدخل في قضايا الاستقلال أو الحكم الذاتي.

فيما يتعلق بالجانب الإنساني، من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في تقديم مساعدات إنسانية للكورد في مناطق النزاع، خاصة في ظل تدهور الأوضاع في شمال سوريا. لكن الدعم قد يتضاءل إذا كانت الأولوية للملفات الأمنية أو الاقتصادية الداخلية.

لذلك، أجد أن فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية سيؤثّر بلا شك على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة على القضية الكوردية التي ستكون محط اهتمام متزايد. وقد يسعى لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية في المنطقة بالتوازي مع حلول محددة تجاه القضية الكوردية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…