هذه المحاكم .. هذه التهم !!من يحاسب من ؟؟

  افتتاحية جريدة آزادي *
بقلم رئيس التحرير

إن كل من يتتبع سياسات النظام السوري وممارساته على مختلف الأصعدة والمجالات تجاه عموم المجتمع السوري ومع أبناء الشعب الكردي خاصة ، ويتأملها بروية لابد له من الدهشة والاستغراب ، خاصة إذا ما قارنها مع الشرائع والمعايير المعتمدة عالميا وإقليميا ، سواء في الجانب السياسي أو الاجتماعي وحتى القانوني ، فهي غريبة عن كل ما هو متعارف عليه من المقاييس بين الدول ولاسيما المعاصرة ، فالنظام يمارس الجور والبطش دون وجه حق ، وينكر على الآخرين حقوقهم وخصوصيتهم القومية ، ويطبق بحقهم صنوف القوانين الاستثنائية والمشاريع والسياسات العنصرية ..الخ، وفي ذات الوقت هو الذي يشكو منهم ويعرب عن خشيته باستمرار من خطورتهم !! إنها حقا الفهلوة بذاتها
فالكل يعلم بالواقع المزري الذي يعيشه المجتمع السوري بكل ألوان طيفه السياسي وانتماءاته القومية والدينية من ضنك العيش وخنق الحريات وانتهاكات متواصلة لحقوق المواطنة وحتى حقوق الإنسان ، والشعب الكردي الذي يلفه الفقر والعوز ، والسياسة الشوفينية التي تثقل كاهله ، والمشاريع والقوانين العنصرية التي ما تزال جاثمة على صدره ، من إحصاء استثنائي “الذي نعيش هذا الشهر ذكراه السابعة والأربعين” ، وحزام عربي سيء الصيت ، وسياسة التعريب ، وسد مجالات العمل والعيش في وجهه ليلتحق بأحزمة الجوع حول المدن الكبيرة دمشق وغيرها أو ليغادر البلد إلى حيث العيش ، وآخرها المرسوم التشريعي رقم 49 تاريخ 10 /9 / 2009 الذي شل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المشمولة ..الخ .

هذا إضافة إلى حملات القمع والاعتقال التي تشهدها سوريا عامة والمناطق الكردية خاصة ، والزج بالمناضلين في غياهب السجون والمعتقلات بعدما يلاقي صنوف المهانة من قبل الأجهزة القمعية ، ومع كل هذه المآسي فإن النظام قد ابتدع محاكم استثنائية خاصة لمحاكمة هؤلاء المناضلين الذين يدافعون عن المظلومين ويسعون لدفع الشر عن أنفسهم وعن أبناء مجتمعهم السوري ويطالبون بحقوقهم القومية والوطنية ، كما ابتدع تهما جاهزة على سبيل المثال : إضعاف الشعور القومي ، إثارة النعرات العنصرية ، الإثارة لحرب أهلية ، اقتطاع جزء من سوريا وإلحاقها بدولة أجنبية ..الخ.
والسؤال هو : من يضعف الشعور القومي ؟ هل الذي يحتكر السلطة والثروة ويمارس القمع والاستبداد أم الذي يرفض هذا الواقع ويعيش هموم المجتمع ومآسيه ؟؟ ومن يثير النعرات العنصرية ؟ هل الذي يمارس السياسة الشوفينية ويطبق المشاريع والقوانين العنصرية أم ذاك الذي يرفضها ويطالب بالعدل والإنصاف والمساواة ؟؟ ثم من يثير لحرب أهلية ؟ أذاك الذي أشعل فتيل الفتنة يوم 12 آذار 2004 في ملعب القامشلي تلك التي ذهب ضحيتها حوالي ثلاثين شابا كرديا من خيرة الشباب ، والتي تحولت فيما بعد إلى انتفاضةٍ عارمة شملت كل مناطق التواجد الكردي, أم الذي أفشلها ووقف في وجهها بكل قوة ليؤكد التآخي بين الكرد والعرب والسريان وجميع ألوان طيف البلاد ؟ ثم متى كانت هناك محاولات من قبيل تقسيم سوريا أو اقتطاع جزء منها وإلحاقها بدولة ؟ أين هذا التوجه أين مثل هذه السياسة في برامج وأدبيات الحركة الكردية ؟ إنها حقا محض افتراء ، وإذا افترضنا جدلا ( اقتطاع جزء) فبأي دولة يمكن إلحاقها ؟هل بالدولة التركية؟ وقد لاقى شعبنا وما يزال المآسي على يدها ، أم بالدولة العراقية ؟ “طبعا هذا الاتهام قديم جديد ” وقد لاقى شعبنا سياسة الإبادة الجماعية من لدن النظام البائد في العراق ، إنها فعلا تهمة ملفقة والغاية منها ذريعة اتخاذ العقوبات التي تشفي غليل العقلية الشوفينية ليس إلا ..

الواقع أن الحركة الكردية ومنذ ميلاد أول تنظيم سياسي كردي في عام 1957 قد اتخذ النهج السياسي السلمي ، وربط قضاياه بمسألة الديمقراطية ، وطرح الحلول في إطار وحدة البلاد وبما يخدم تطورها وتقدمها ، لكن السلطات والأنظمة المتعاقبة في سوريا تجهد لعقود خلت إلى الإنكار الرسمي لوجود الشعب الكردي وذلك بمنع ثقافته وطمس معالمه التاريخية واتخاذ المزيد من الإجراءات والقوانين العنصرية بحقه في مسعى لصهره ، إلا أن الحركة الكردية تسعى إلى إثبات هذا الوجود التاريخي للشعب الكردي في المنطقة ، والتأكيد على ارتضاء قسم منه العيش مع الشعب العربي والمكونات السورية الأخرى منذ اتفاقية سايكس – بيكو ورسم الحدود بين الدولتين السورية والتركية ، والمطالبة بالشراكة في الوطن والتمتع بالحقوق القومية والديمقراطية ، وبما لا يتعارض مع مصلحة البلاد ، وقد اتخذ الشعب الكردي وحركته السياسية نهج التعايش المشترك والتآخي مع المكونات السورية ، ومن المفارقات المذهلة ، أن الحركة ( أي الكردية) حينما رفعت شعار الإخوة العربية الكردية ، تعرض بسببه المناضلون إلى الاعتقال والسجن !! كما تعرض أحد الطلبة للمهانة والضرب المبرح على يد السلطات والفصل النهائي من كافة المدارس الحكومية فقط  لأنه رفع في مسيرة شعبية شعار : ” نحن أحفادك صلاح الدين بماضينا مفتخرين ” ، وهنا والسؤال يتكرر ، من يحاسب من ؟؟ ومن المسيء ؟ هل الذي يدعو إلى التآخي أم الذي يعاقب عليه ؟ ثم ما هذه المحاكم التي تجرم كل مطالب بحقه ؟ وتجعل من الخلاف السياسي جناية وتحاسب عليه ؟؟..
من هنا ، والمرحلة حبلى بالمستجدات ، وهي ترى الكل مدعو إلى نبذ كل ما من شأنه إثارة نعرات التمييز أو التفرقة بسبب الانتماء القومي أو الديني أو السياسي ، والمثول إلى الحوار الأخوي الصادق الذي يحقق الوفاق والتآلف والتعاضد ووحدة الموقف والصف بين كافة مكونات المجتمع السوري عربا وكردا وسريانا ..الخ ، من أجل بناء حياة سياسية جديدة تكفل الحريات الديمقراطية ، وتفرج عن كافة معتقلي الرأي والموقف السياسي ، وتلغي القوانين والمحاكم الاستثنائية ، وترفع الأحكام العرفية ، وتلغي السياسة الشوفينية بحق الشعب الكردي وكافة القوانين والمشاريع العنصرية ونتائجها وتبعاتها ، وحل قضيته بتمكينه من ممارسة حقوقه القومية والوطنية في إطار وحدة البلاد وبما يخدم تقدمها وتطورها ، والعمل من أجل تعزيز مستلزمات وعوامل العيش المشترك بما يعني الشركة الحقيقية في الوطن وعلى مبدأ : سوريا لكل السوريين ، والدفاع عن قدسية وحدتها وترابها واجب الجميع ، وليعيش الكل على المحبة وفي أمان ووئام ..

* جريدة صادرة عـن مكتب الثقافة والإعلام المركزي لحزب آزادي الكردي في سوريا –  العدد (414) تشرين الأول 2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…