عبد الرحمن آلوجي“
وسوريا من البلدان التي أثرثها الحضارة الإنسانية وتعمق جذرها في التاريخ , وتفرعت شجرتها تنوعا وتعددا وثمرات شتى إثنيا ولغويا ومذهبيا ومعرفيا , فهي ليست بدعا , ولم تسلك – في تطورها الحضاري والمعرفي – سبلا أخرى , في تاريخ وتطور المجتمعات الإنسانية, غير السبل التي سلكتها تلك المجتمعات , في التنوع والتعددية والاختلاف في الألسن والألوان والمعارف والعادات والاتجاهات , والتي لا يمكن للقهر والشطب والإنكار والاعتقال أن تذيب هذا التنوع , وتزيل من نقائه وزهوه وجماله , وتمحو مكونا لصالح مكون آخر , ويبدل من جلده وانتمائه وهويته , لبيقى العربي عربيا فكرا ولغة وانتماءا وعادات وقيما وأعرافا , وكذلك الكوردي والآثوري والأرمني , وتظل الأفكار والآراء والاتجاهات معززة راسخة ومتفاعلة , دون أن يخيف ذلك التنوع , أو يضير تلك التعددية بالوحدة وأصالة الانتماء الوطني , وعمق التلاحم في الأزمات والمحن , حيث ساهم المجموع في بناء حالة وطنية , شيدت بقوة الخارطة السياسية في سوريا , وأعلت صرح بناء شامخ , لم يضرها في ذلك تنوع في اللغة والاتجاه والرؤية والتوجه , مما لاتجدي كل أشكال الممارسة القسري , ورؤية الإنكار والشطب لعين الشمس التي لا تستر بغربال , و لا تقام بعسف أو خسف أو كسوف وأفول , لعراقة هذا التنوع ولرسوخ هذا التعدد , وأصالة لهذه الانتماءات التي لا تجدي معها كل محاولات القسر والتحكم والرفض والقمع وصورها المجربة والبائسة ..
لكي نفعل ذلك , ونرقى فوق تصور القهر والاستعلاء والإنكار كان لابد من مواجهة الواقع التعددي – غير الضار وغير الشاذ بل النافع والمتأصل والمتجذر- والتعامل معه بتلك الرؤية الحضارية الفاعلة والشاملة , والمؤسسة لنوذج تعددي اختبرته المجتمعات المتمدنة بنجاح كبير , لتتخطى كل ألوان القسر والمنع , ومكابدة التمنع والاستعصاء على الامحاء والذوبان والفناء في الآخر , مما ترفضه طبيعة الحياة والعلم والمدنية , وحقوق الإنسان , والمعايير والمواثيق الدولية , والشرائع الوضعية والسماوية , مما ينسجم مع قيم الاختلاف والتنوع , ويتنافى مع إرادة التذويب والتطهير والتجريد من الهوية الوطنية والإنسانية , وهو أمر لم يرضه القائمون على الأمر اليوم بأي فرنسة أو تتريك أوتغريب عن الهوية العربية , ليأتي القياس في الأمر نفسه تعريبا قسريا في غير محله , دون ان يعني ذلك ضياعا للهوية الوطنية وقيمها واعتبارتها , والتي كان النجاح في اختبارها في الأزمات الوطنية خير دليل على رسوخ الحس الوطني وعمقه وتمكنه , فهل من مراجعة ؟؟! , وهل من عودة إلى القيم الوطنية الجامعة ؟؟! , وهل من اعتبار بقيم العدل والحق والتاريخ والعلم , وهل من تجاوز للقهر والإكراه وفلسفته ورؤيته المحدودة , ورداته الآنية , وإيثاره الأحادي ؟؟! , تلك أسئلة ضاغطة ومشروعة وينبغي ردفها بإجابات ميدانية ومقنعة !! .






