التنوع والتعددية في سوريا لا يشطبان قسرا وإنكارا

عبد الرحمن آلوجي
 

إن تنوع المجتمع الإنساني وتعدد ألوانه وأطيافه ومذاهبه واتجاهاته وأفكاره … مما هو من خصائص النوع الإنساني , ومن طبيعة علاقاته وتوجهاته , ومن ضرورات اختلافه وتنوعه , وهو حصيلة تراكم معرفي وتلاقح حضاري طويل , أفرز ظاهرة عميقة في كيان المجتمع وطبيعته وتركيبته التي لامفر منها , حيث ” لا يزال الناس مختلفين ” في القيم والطبائع والعادات والمثل والتقاليد , اختلاف تنوع وتعدد في المآكل والمشارب والأزياء والأعراف واللغات ولهجاتها , وهي ” من آيات الله في خلقه , ومعجزاته في تكوينها , وتركيبها , وطريقة تعاملها مع قوانين وسنن الكون , وآياته في الأنفس والآفاق ..

أينما كان الإنسان , وحيثما حل وأقام , وكيفما ارتحل , وتنقل في أرجاء المعمورة , وأصقاعها , وقاراتها وبلدانها و ومدنها وقراها , في الشرق والغرب , والشمال والجنوب , بما يثري , ويزيد العالم غنى وترفا وعمقا وتراكما في المعارف والخبرات والقيم والتقاليد , مما لا يخيف , ولا يمزق الصف بل يعطيه من التنوع والتعدد في الطيوف الملونة والزاهية ما يزيدها إشراقا ووقدة وجمالا , وتلاقيا ومقاربة ومقارنة في اللغات والشيات والرؤى والأفكار , ما يترجم الحصيلة الإنسانية إلى زاد معرفي ثري , هو حصاد ذلك الجهد من القرون المتطاولة والتطورات الهائلة والجهد البشري المتطاول والعظيم , مما يمكن جعله ثمرة إنسانية فائقة الأهمية عظيمة القدر , ومنهلا خصبا للإنسان أينما كان , ليرتاد مجاهله , ويأخذه من مظانه , ويستلهم من إبداعاته ومنجزاته الحضارية والمعرفية , فيدرك أنه يقف على أرض صلبة عميقة الجذر , ضاربة بفرعها متالقة في السماء , يتفيأ بها , ويأخذ من ثمراتها وعطاءاتها ما شاء له أن يفعل كحق طبيعي من الأسلاف للأبناء والحفدة , وأجيال لاحقة , حق لها أن تتزود من معين هذا التراث الرائق والخالد , علما وفنا , ولغات وآدابا ومعارف …
وسوريا من البلدان التي أثرثها الحضارة الإنسانية وتعمق جذرها في التاريخ , وتفرعت شجرتها تنوعا وتعددا وثمرات شتى إثنيا ولغويا ومذهبيا ومعرفيا , فهي ليست بدعا , ولم تسلك – في تطورها الحضاري والمعرفي – سبلا أخرى , في تاريخ وتطور المجتمعات الإنسانية, غير السبل التي سلكتها تلك المجتمعات , في التنوع والتعددية والاختلاف في الألسن والألوان والمعارف والعادات والاتجاهات , والتي لا يمكن للقهر والشطب والإنكار والاعتقال أن تذيب هذا التنوع , وتزيل من نقائه وزهوه وجماله , وتمحو مكونا لصالح مكون آخر , ويبدل من جلده وانتمائه وهويته , لبيقى العربي عربيا فكرا ولغة وانتماءا وعادات وقيما وأعرافا , وكذلك الكوردي والآثوري والأرمني , وتظل الأفكار والآراء والاتجاهات معززة راسخة ومتفاعلة , دون أن يخيف ذلك التنوع , أو يضير تلك التعددية بالوحدة وأصالة الانتماء الوطني , وعمق التلاحم في الأزمات والمحن , حيث ساهم المجموع في بناء حالة وطنية , شيدت بقوة الخارطة السياسية في سوريا , وأعلت صرح بناء شامخ , لم يضرها في ذلك تنوع في اللغة والاتجاه والرؤية والتوجه , مما لاتجدي كل أشكال الممارسة القسري , ورؤية الإنكار والشطب لعين الشمس التي لا تستر بغربال , و لا تقام بعسف أو خسف أو كسوف وأفول , لعراقة هذا التنوع ولرسوخ هذا التعدد , وأصالة لهذه الانتماءات التي لا تجدي معها كل محاولات القسر والتحكم والرفض والقمع وصورها المجربة والبائسة ..

ومن أجل ان نرقي بمجتمعنا إلى التوجه الحضاري والإنساني اللائق , وندرك بؤس كل محاولة للقفز فوق الواقع المعاش بقوة ووضوح , بالتذويب ومحاولات المحو وسلخ الجلدة وتبديل الهوية , والتفكير بمنطق وصائي بات عديم الجدوى ..

لكي نفعل ذلك , ونرقى فوق تصور القهر والاستعلاء والإنكار كان لابد من مواجهة الواقع التعددي – غير الضار وغير الشاذ بل النافع والمتأصل والمتجذر- والتعامل معه بتلك الرؤية الحضارية الفاعلة والشاملة , والمؤسسة لنوذج تعددي اختبرته المجتمعات المتمدنة بنجاح كبير , لتتخطى كل ألوان القسر والمنع , ومكابدة التمنع والاستعصاء على الامحاء والذوبان والفناء في الآخر , مما ترفضه طبيعة الحياة والعلم والمدنية , وحقوق الإنسان , والمعايير والمواثيق الدولية , والشرائع الوضعية والسماوية , مما ينسجم مع قيم الاختلاف والتنوع , ويتنافى مع إرادة التذويب والتطهير والتجريد من الهوية الوطنية والإنسانية , وهو أمر لم يرضه القائمون على الأمر اليوم بأي فرنسة أو تتريك أوتغريب عن الهوية العربية , ليأتي القياس في الأمر نفسه تعريبا قسريا في غير محله , دون ان يعني ذلك ضياعا للهوية الوطنية وقيمها واعتبارتها , والتي كان النجاح في اختبارها في الأزمات الوطنية خير دليل على رسوخ الحس الوطني وعمقه وتمكنه , فهل من مراجعة ؟؟! , وهل من عودة إلى القيم الوطنية الجامعة ؟؟! , وهل من اعتبار بقيم العدل والحق والتاريخ والعلم , وهل من تجاوز للقهر والإكراه وفلسفته ورؤيته المحدودة , ورداته الآنية , وإيثاره الأحادي  ؟؟! , تلك أسئلة ضاغطة ومشروعة وينبغي ردفها بإجابات ميدانية ومقنعة !! .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…