الشمال السوري والدّعاء المستجاب

ماجد ع  محمد
معروف أن المسلم في أغلب أوقات الشّدة عادة ما يلجأ إلى الدعاء علّه يُستجاب لدعواه ويتخلص بالتالي من الضيق الذي هو فيه، بما أن أغلبهم يرون بأن الدّعاء هو لبّ العبادة وأساسها، ومع أن الشعب السوري منذ ما يزيد عن خمس سنوات يدعو الله ورسوله والعالم أجمع لنجدته، وفي مقدمتهم الجيران المسلمين، إذ ومنذ بدء الثورة وهم يتضرعون الى الله ومن بعده رؤساء الدول لإنقاذهم من براثن النظام البعثي، كما لوحظ أن معظم السوريين وضعوا جل أملهم بالرئيس التركي منذ السنة الاولى للثورة، باعتبار أنه راح يعد ويتوعد ويضع الخطوط الحُمر والخُضر والصُفر أمام الأسد، إلى أن وصل الوحش الى تخومه فلم يوقفه الجار التركي على أي خط من الخطوط الحُمر التي كان يرسمها في هواء سوريا أمام الأسد ونظامه، ولم يستجب لنداءات الثكالى والمهجرين الجرحى بعد استشهاد ما يزيد عن 500 شخص، ولم يستفق سيادته على وعوده ووعيده إلَّا بعد بروز المسألة الكردية التي تؤرقه أكثر من كل الزلزال الذي ضرب سوريا.
حيث قال الرئيس أرودغان يوم الخميس الماضي خلال كلمة ألقاها في اجتماعٍ مع محافظي الأقاليم التركية، بأن عملية درع الفرات جاءت استجابة لدعوة الشعب السوري، حيث لم يفكر الرئيسُ في الاستجابة لدعوة الشعب السوري للنجدة إلا بعد مقتل الآلاف ودمار المدن والقرى وتهجير الملايين، ولم يتذكر أن عليه أن يستجيب لاستغاثاتهم إلا بعد تضخم حزب الاتحاد الديمقراطي على حدوده، ولكن بما أن (كل إناءٍ بما فيه ينضح) لذا كشف سيادته عما يستبطنه وذلك عندما قال في كلمته “إن بلاده تشن حاليا أكبر عملية في تاريخها ضد المسلحين الأكراد في جنوب شرق تركيا، مؤكدا أن منظمات حزب العمال الكردستاني، وفتح الله غولن، وتنظيم داعش، تنظيمات ارهابية، متوعدا بتدمير جميع تلك المنظمات”، حيث بالنسبة لسيادته فالأكراد هم في الدرجة الأولى ممن يشكلون الخطر عليه ومن ثم في المرتبة الثانية يأتي الداعية فتح الله غولن الذي كان وراء سطوع وصعود أردوغان في بدء نموه السياسي، أما منظمة داعش فهي حسب التقارير والدراسات مجرد أداة من أدوات الأنظمة وفي مقدمتها تركيا.
وحيال المتغيرات الجديدة ودخول الجيش التركي الذي استجاب للدعاءِ بفضل خطر الكرد في الشمال السوري، ولكي لا يبقى السوري المحتفي بقدوم (قوات الردع التركية) بعد أكثر من خمس سنوات من عمر الثورة، مخدوعاً بما تبثه له وسائل الإعلام والهيصا التي يحدثها نشطاء الثورة، نذكره بأن موسكو انتقدت في وقتٍ سابق عملية “درع الفرات” التركية، ودعت تركيا إلى الحصول على موافقة السلطات الرسمية السورية للقيام بأي عمل داخل سوريا، ما يعني بأن دخول قوات (الردع التركية) إلى جرابلس كان بموافقة الفرعون السوري المقيم في قاسيون، وذلك بناءً على اتفاقية أضنة الموقعة بين الدولة التركية والدولة الأسدية منذ عام 1998.
وبما أن جنابه قرر أخيراً أن يستجيب لدعاء السوريين، وبما أن مسلحي تنظيم داعش فروا من مدينة جرابلس من أمام جيشه وسيهربون كذلك في أي مكانٍ آخر حسب أقوال سيادته وهو في كل مناسبة يتوعد بمطاردتهم، في قوله بأنهم سيستمرون في العمليات ضد الدواعش، لذا فلا يخفى على أحد في العالم بأن مركز دولة الخلافة في سوريا هي الرقة، وناسها بحاجة ماسة لدعم الجيش التركي، وعلى عملية درع الفرات أن تتوجه نحو الرقة قبل أي مكانٍ آخر باعتبارها المعقل، ولكي تستجيب لدعاء الأهالي في تلك المحافظة بأسرع وقتٍ ممكن، أما منطقة عفرين فلا تحتاج إلى غيثهم حتى يمطروها بالقذائف ويقتلوا مدنيوها بحجة معاداتهم لحزب الاتحاد الديمقراطي، وعلى مَن يُدير دفة الجيش التركي ويتحكم بمسار راجماته، أن يعرف بأن بين منطقة عفرين ومدينة الرقة أكثر من مئة كيلومتر.
وأخيراً فبناءً على تحرك الجيش التركي وفق الاتفاقيات الثنائية بين نظام الأسد وتركيا مع الإعلام المسبق للدّوَل صاحبة القرار في العالم خاصةً موسكو وأمريكا بأي تحرك للجيش التركي داخل سوريا، وبناءً على الرؤية الارتكاسية التي قدمتها الهيئة العليا للتفاوض في لندن، والتي قال فيها الكاتب جيان عمر بأن” الرؤية كانت استنساخاً لعقلية حزب البعث العنصري ونظام الأسدي الشمولي، ويدفع بإتجاه إغلاق الباب أمام بقية المكونات السورية للإنضمام إلى هذه الهيئة المعارضة التي كان من المفروض عليها أن تُمثّل الثورة وجميع المكونات السورية” وخلال ما يجري على الحدود وما يُحاك للسوريين والتي لا يدفع ثمنها إلا المواطن السوري البريء، فنرى بأن على مَن كان يشتم الأسَدَين الأب والابن عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمناسبة وبدونها، فمن باب حُسن التقدير والتحسب لتبعات كل ما كان يقول، المسارعة الى مسح كل تلك البوستات أو التصريحات، لأنه وفق تحركات الجيش التركي التي عادةً ما تكون بموافقة الأسد وقوات الحلفاء، وحسب ما جاء في رؤية هيئة التفاوض مؤخراً فلربما يتدحرج المواطن السوري المغلوب على أمره مع الأيام مرغماً باتجاه خاقان قاسيون وهو في حالة الحبوِ أو الزحف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…