العودة إلى نقطة الصفر !!

علي شمدين*
إذا كانت القضية الكردية هي المعيار الحقيقي- وهي كذلك بالفعل- لإختبار ديمقراطية المعارضة ومدى تحررها من عقلية النظام الذي أصر خلال نصف قرن من حكمه على صهر الشعب الكردي وتصفية قضيته القومية بمختلف أشكال القمع والاستبداد، فإن الواقع الذي انجرّت إليه المعارضة السورية على مدى ما يقارب الخمسة سنوات مضت، واختطافها من جانب المتطرفين والشوفينيين الذين لايقرون بحقيقة الوجود الكردي ولايأخذون حقوقه القومية بعين الإعتبار، يثبت بشكل قاطع فشل هذه المعارضة في الإختبار، ويؤكد على بقائها أسيرة فكر البعث الذي تفطرت عليه غالبية قياداتها، حيث تجاوزت هذه المعارضة مواقف النظام بتصريحاتها ومواقفها تجاه الشعب الكردي في سوريا، واساءت لدوره الوطني المشرف.
طبعاً لا نحتاج إلى سرد المزيد من الحقائق التاريخية التي تؤكد أصالة الشعب الكردي الذي يعيش في مناطقه التاريخية التي ألحقت قسراً بالدولة السورية الحديثة بموجب إتفاقية سايكس بيكو التي جزأت وطنه كردستان على إثر انهيار الدولة العثمانية، لأن الواقع الراهن الذي يعيشه هذا الشعب اليوم يؤكد بنفسه هذا الوجود ويدعمه بالحقائق (البشرية، الجغرافية، السياسية واللغوية..)، التي تدحض أكاذيب الشوفيين وأضاليلهم باليقين، مثلما أدحضت سياسات النظام من قبل، وأفشلت مشاريعه العنصرية.
قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت قد تبلورت شريحة واسعة من الشخصيات والمنظمات الديمقراطية السياسية والثقافية والإجتماعية، التي انفتحت على الشعب الكردي، وتفهمت قضيته القومية نتيجة لتواصل أطراف الحركة الكردية في سوريا معها، وخاصة الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وسكرتيره الأستاذ عبد الحميد درويش، ونجاحها في بناء شبكة هامة من العلاقات مع الوسط العربي، وصولاً إلى تأسيس أول إطار سياسي مشترك عام 2005 بإسم (إعلان دمشق) ، الذي ضم ممثلي مختلف المكونات القومية والسياسية في البلاد، وكان هذا الإطار سباقاً إلى الإقرار في برنامجه بأن القضية الكردية هي قضية وطنية بامتياز ولابدّ من حلها حلاً ديمقراطياً عادلاً، في وقت كان مثل هذا الموقف يكلف هؤلاء الوطنيين ثمناً غالياً، الأمر الذي شكل آنذاك نقلة نوعية هامة تجاه قضية الشعب الكردي في سوريا، التي كان الشوفينيون يعدونها جسماً سرطانياً غريباً لابدّ من اجتثاثه.
ولكن ما هو مثيرٌ اليوم للخيبة والقلق لدى الشعب الكردي في سوريا وحركته السياسية، هو إنبعاث تلك الأصوات العروبية الحاقدة على الكرد من جديد، وخاصة من جانب ما يسمى بالمعارضة السورية ورموزها المتخرجة من مدرسة البعث والمشبعة بفكرها الأسود، والتي تعيد بقضيتنا الى عهد محمد طلب هلال ومقترحاته العنصرية التي تدعو إلى تذويب الكرد وصهرهم في البوتقة العربية والشطب على هويتهم القومية، ولعل وثيقة الإطار التنفيذي للحل السياسي وفق بيان جنيف 2012، التي اقرتها الهيئة العليا للتفاوض في لندن بتاريخ (7/9/2016)، جاءت استنساخاً لتلك العقلية المريضة التي أمضت الحركة الكردية في مواجهتها ما يزيد على نصف قرن من النضال المرير.
الحقيقة إن هذه الإنعطافة الخطيرة في موقف المعارضة السورية، وانحرافها نحو موقف النظام وتلاقيها معه في التنكر لوجود الشعب الكردي والشطب على حقوقه القومية، فضلاً عن تقزيم هوية الدولة السورية في الهوية العربية الإسلامية، متجاهلة المكونات القومية الأخرى الإصيلة، وخاصة المكون الكردي الذي يشكل ثاني أكبر مكون في البلاد، الأمر الذي يسقط عن هذه المعارضة هويتها الديمقراطية، ويؤكد فشلها في تمثيل عموم الشعب السوري، وإخفاقها في تقديم البديل الأفضل من النظام، وأمام هذه الحقيقة المرّة لاخيار أمام أطراف الحركة الكردية في سوريا سوى مراجعة نفسها، وتجاوز خلافاتها الثانوية وصراعاتها العقيمة، والتوقف بمسؤولية عند نقاط ضعفها التي شجعت المعارضة لتتمادى في تجاهلها للقضية الكرية بهذا الشكل الشوفيني الفظ، والبدء من نقطة الصفر نحو توحيد صفوفها حول خطاب قومي مشترك يوازن بدقة بين البعدين القومي والوطني بعيداً عن الشعارات المزاودة وردات الفعل الانعزاليةـ بذلك فقط يمكن للحركة الكردية أن تعيد احترامها لدى الأصدقاء، وتفرض هيبتها على الخصوم والأعداء.
29/9/2016
————-
* – عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…