«Pyd » بين كيري وأردوغان

 ابراهيم محمود

لأكثر من مرة، أعلن أردوغان أن pyd تنظيم
إرهابي مثَله مثَل pkK بوصفه تابعاً له، التنظيم الإرهابي الآخر من وجهة نظره،
وكثيرين من القادة الأتراك، وثمة مسئولون أمريكان، ومنهم وزير الخارجية جون كيري
ينفي ذلك. وفي القراءة السابرة للحالتين، هل هذا يُحزن من جهة الأتراك، ويفرح من
جهة الأميركان كردياً ؟ ألا يمكن المضيّ إلى الأمام والنظر بتعمق أكثر في الجاري،
ولعبة التجاذبات السياسية وما هو أبعد منها ؟ أردوغان يغضُّ الطرف عن داعش كثيراً،
لحاجته إليه، والمسئول الأمريكي يكيل مديحاً للتنظيم الكردي لحاجته إليه بالمقابل.
غير أن أميركا أكبر من كيري، مثلما أن تركيا هي الأخرى أكبر من أردوغان، وبعيداً عن
التناظر، يبدو أن داعش وpyd في وسط اللعبة، فمن اللاعب الفعلي، مَن الحكم الحقيقي
بالمقابل ؟
السياسة أكثر من كونها ممارسة فن الممكن، فهذه عبارة زلقة. إنها فن المناورات
الكبرى، والخفي أعظم وأوخم، وخصوصاً راهناً، وثمة من يناور وهو مناوَر عليه، من
يتستر على لعبة هو مرئي فيها، فتصبح التسمية الدقيقة في لعبة السياسة أحياناً
مطلوبة، حتى لا يخسر المصرّح جمهوراً ملتفاً حوله، أو يتنصر له. يعني ذلك، أن pyd ،
وكما هو الملحوظ، لو كان أكثر مصادقة مع نفسه، ومصارحة بالجاري، لأعلن على الملأ
أنه متحالف مع النظام في سوريا، وأظهر أسبابه على ضوء هذا الاعتراف، وفي الوقت الذي
تختلط الأوراق كثيراً بالنسبة للمعارضة السورية بأرضيتها وأهدافها ومن الذين
ينخرطون فيها، وكيف يتصرَّ بها، وأي ثورة كانت، وما إذا كانت ثورة، وأي ثورة ستكون
بمفهومها السياسي والاجتماعي!
الحياة تحالفات ومناورات، رغم التفاوت البيّن، رغم
مخاطر البداية والنهاية بجلاء أكثر، لأن pyd محتوىً من قبل النظام شئناً أم أبينا،
وما يكونه نصراً مؤزَّراً، قد يكون كارثة بمردودها الاجتماعي والسياسي والأمني
والقومي، وطالما أن ليس من اعتراف، فإن مرماه سيبقى مفتوحاً للضربات الموجعة على
حساب التالي، بالنسبة لشعب كامل ممزق من الداخل، ومقابل pyd، ثمة داعش، بصورة ما،
في لعبة ” الغمّيضة ” المركَّزة والدقيقة الصنع ضمن ملعب النظام، ووقوع ضحايا في
جنود النظام أو ضباطه أو أبرياء سوريين، على يد داعش لا يعني براءة الأخير من
اللعبة الموجهة من جهة النظام ومن معه براً وجواً ” لنتذكر روسيا، وحديث ما وراء
الحديث السياسي ” المقشَّر ” جهة التعامل مع pyd، في ساحة ليست مستوية طبعاً
“.
وتركيا أردوغان، إن جازت التسمية، تقدّر في داعش، ما تعزّز به سياستها
واستراتيجيتها في الدفاع عن أمنها القومي المزعوم الذي لما يزل متوجاً بإكليل
أتاتوركي: ثمة المسلم التقي الذي يصله من بعض النواحي بداعش، والمصلحة سيدة اللعبة،
مع فارق الخاتمة المسماة في السر” داعش الأداة هنا وهناك “، وثمة التركي القح في
الحديث عما يخرج عن قاعدة الإعراب التركية القومية العليا، أي يصله نسَبه الاعتباري
بأتاتورك.
وأميركا من جهتها، أكبر من كيري، وكيري هذا له لعبته المحددة، ضمن
لعبة أكبر منه، في الدائرة المخابراتية الأميركية، وفي عالم اليوم طبعاً، حيث يسهل
سماعه مادحاً الآن pyd، وبعد ذلك بسويعات مغيّراً في اللهجة المدحية، بمسوغات تليق
بدولة يشهد لها تاريخها الاستخباراتي على ذلك، وبعد ذلك، ناطقاً بنقيض ما قيل:
هجّاء له بالتحديد، بمعنى آخر: إن الكبير بمفهوم القوي لا يخطىء، بقدر ما يضع برامج
ويمارس لعبته، ولأنه يسيطر على مساحات واسعة من الأرض وفي الفضاء، وله القول
المسموع والمكان المقدًّر حول أي طاولة مفاوضات أو لقاءات أو تقابلات.
يمكن هنا،
أن تتنازل سوريا النظام للكرد، عما يشعِرهم بكرديتهم، وهذا يثلج صدر pydلأنه لاعب
مشهود له بالحركة في ملعب متابَع من جهته، ولكنها حتى الآن، لم تفصِح أو تصرّح، ولا
بأي شكل، إلا فيما هو مستهلَك إعلامياً، وبصورة ضبابية، عمَّن يكون الكرد، وكيف
سيكونون، ضمن النسيج الذي لا يعرَف ما إذا كان عنكبوتياً، أو شبكياً أو غيرهما،
وهذا يصلها بتركيا التي لا تتدخر جهداً في الانفتاح على الكرد” الأكراد “، وهم
يتحدثون عن كردستانهم، ولكنها لا تتدخر جهداً في الدفع بأي قوة مستحدثة لتبديد شمل
الكرد على أرضهم، وإثبات أن السياسة هي التي توجه التاريخ، وتحدد لون الجغرافيا
وطبيعة الحركة الفعلية عليها، بقدر ما تبقى تركيا ذاتها في واجهة الاهتمامات
الأميركية، فهي في المدى المجدي أكثر من  pkkوpyd، وكل التنظيمات الكردية، اعتبارً
ووزناً، وبما لا يقاس، ليس لأنها عضو في حلف ” الأطلسي “، وإنما لأن الذي يمكن
للاعب ” التركي ” أن يؤديه من أدوار في المنطقة، لا يقارَن بكل النقاط المسجّلة
بالنسبة لهذا التنظيم أو الحزب الكردي أو ذاك، وحتى بالنسبة لإقليم كردستان العراق
المثَل الجلي في دحْر داعش، سوى أن كيل المديح بنبرة أميركية للإقليم، لا يعني
نسيان لعبة مواقع القوة، وما تكونه تركيا الآن وغداً، وحتى بالنسبة لإيران في العمق
الخفي، حتى بالنسبة لسوريا، ولو أنها ترتسم عدواً بغيضاً لساسة الأميركان، حيث ساحة
الرهانات الكبرى تستغرق دولاً تظهر خارج اللعبة الدموية في المنطقة، لكنها في
صميمها. يبقى على pyd أن يفكّر ملياً فيما هو عليه، وما يمكن أن يفهَم من مديح ليس
بمديح يعوَّل عليه، بقدر ما أن أي حديث لسياسي أو مسئول عسكري كردي، وهو أن أميركا
حليفتنا، يثير الحزن والسخرية والرعب مما يمكن أن يجري تالياً وتالياً. لنخرج
عقولنا من التاريخ قليلاً، لنبصر مدى تشويهه لنا، حتى لا نفقد حس الاتجاه
نهائياً.
دهوك، في 10 شباط 2016 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…