كُردستان!..ياه، لكم جعلوها رخيصة

 ابراهيم محمود

حتى الأمس القريب القريب جداً، كان من
السهل معرفة من يقبضون على كرستان حباً، من كردها،كما لو أنهم قابضون على جمر
داخلهم، حين يعيشونها، حين يردّدونها دون السؤال عن العواقب، حين يواجهون بها
أعداءهم لسموّها، وها هم الذين يردّدونها على الملأ بمناسبة ودون مناسبة، في وضع
مغاير، يغنّونها بمآسيها وضحاياها في الأعراس والساحات، يتحدثون للإعلام وخلفهم
خارطتها وقادة لهم محل إعرابهم في ” البيزنس ” الدعائي البورصوي، ليس لاختلاف اليوم
عن الأمس، وإنما لأن هؤلاء الكثرة الكاثرة ينافسون أولئك، بقدر ما يحشرونهم في
زوايا ضيقة وهم يلعلعون بأصواتهم هنا وهناك، وبلا هوادة.
حتى الأمس القريب القريب جداً، كان يمكن تسمية الذين يُسْكِنون كردستان في سواد
أعينهم، وخلل عروقهم، ودفق دم القلب فيها، وأحلامهم، وعنوانهم الرئيس هي وليس سواها
إجمالاً، واليوم، ها هي كردستان تُسمَع وتكتَب ويلوَّح بها هنا وهناك من قبل من
يصعب حصرهم، وهم يضيّقون الخناق على الذين حفروا اسمها في وجداناتهم ودفعوا الثمن
غالياً، والذين يتعاملون معها اليوم، لا يهدأون، بقدر ما يحاولون إدانة من كانوا
بالأمس، ويطلقون شعارات، هتافات، جملاً لها مغزاها، وأصواتهم تهدر، وهم على علم أن
ثمة ما يجري العمل بموجبه، ولكن واقعاً معيناً يسهّل لهم كل ذلك، وهم يثقِلون على
بني جلدتهم، حتى وهم في الغربة، مهاجرون، ومن روجآفا، وفي إقليم كردستان العراق
كمشهد حي لهذه العراضات التي تتسلق الجهات، لأن متعهديها منتشرون في أمكنة مختلفة
من أصغر خيمة ” بنابرية: لاجئية “، إلى ما وراء أجهزة البث التلفزيونية وعلى الهواء
مباشرة، عبر خطوط اتصال مفتوحة على مدار الساعة، تتكرر كردستان قياماً وقعوداً، حتى
في منافسة أهليها هنا هنا هنا، وفي مزاحمة لا تخطئها عين المتابع والمسكون هماً
وقلقاً ورعباً بما وعما يجري.
حتى الأمس القريب، كان الذي يعيش كردستانه يعرفه
عدوه، كما أنه يعرف ما يفعل وما يمكن أن يحصل عما يفعل، وتلك ضريبة مقدرة من قبل
المتعامل مع اسم سام سمو فضائه، وبهاء جغرافيته، وقدسية معناه، فتجري تهجئتها بخشوع
لا يخطئها سمع المتابع، وتلك هي الطريقة الصائبة في التعامل مع الوطن اسماً
ومسمَّى، واليوم، ما أسهل كردستان اسماً يتكرر حيثما نظر المتابع، ما أسهلها صدى
اسم من قبل كم هائل، وسط ذهول الذين يعيشونها بأرواحهم، والذين ما زالوا يشاهَدون
بوشمها الناري، وآلام العلاقة وعذاب الصبابة وقت الشدة .
كردستان! … ياه لكَم
جعلوها رخيصة، جرّاء هذا التكرار الذي يثقِل على كل شيء، رخيصة وهي في معرض التهجئة
والتشديد عليها في مكان لا يتطلب كل هذا الحماس الشعبوي… لأنه كردستاني..
تُرى
أين تبدأ حدود الكردية من هذا النوع،وتبدأ كردستان حيث تكون بسمو مكانتها، كأي وطن
لا يُسمى بسهولة ؟
في المستقبل القريب، حين يتغير الوضع، أو عند اللزوم بالنسبة
لهؤلاء، كما كانوا بالأمس القريب القريب جداً، سيتوقفون عن كل شيء، كما لو أنهم لم
يعرفوا كردستان، لم يتهجوها، لم يراهنوا عليها على طريقتهم، لأنهم، في مجملهم،
ربما، يكونون قد بلغوا درجة من البطر وحيازة المواقع، وإيلام أهلها الأهل، وأسهموا
وأي إسهام في بث المزيد من الأوبئة المرئية وغير المرئية، لتصبح كردستان غريبة على
من كانوا بالأمس القريب القريب جداً، وفي وضعية شلل لدى الذين لم يدخروا جهداً في
عرضها في بازارهم الشعاراتي والتسولي، والذين يعيشونها يحتاجون إلى أمس مشابه ربما،
لتسترد كردستان عافيتها.. أهي مفارقة موجعة، حين يعرَّف بكردستان خير تعريف وقت
المحنة، كما لو أن تحررها يعني تبديدها، إن لم نقل العبث فيها في حالات كثيرة أكثر
من الأعداء الأعداء أنفسهم .
دهوك- في 14 آذار 2016 .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…