12 آذار 2004م

د. محمود عباس

هبة، انتفاضة، ثورة،
تلاعب بالكلمات قبل أن يكون تحليلا في واقع القضية. تذكرني هذه النقاشات والحوارات
الكلامية، بالتأويلات والتفسيرات، والمجازيات التي يعرضها علماء الكلام في الدين
الإسلامي، وصراعهم مع المفكرين العلمانيين، حول ألوهية الخالق والإسلام أو
إنسانيته، فهي نقاشات سفسطائية، لا تفيد الطرفين. وهو صراع فلسفي لا علاقة للأديان
به، يؤدي إلى الحروب الكلامية ومن ثم الدموية، والانقسامات البشعة بين البشر،
وبالتالي النتيجة تكون المعاناة والمآسي في الطرفين. فالكلمات الكردية الدارجة أو
النحوية تعرفها ب (سرهلدان، شورش) لكن أية (شورش) المحصورة في جغرافية جنوب غربي
كردستان؟ أم التي تشمل كلية تاريخ كردستان؟
  الثورة لها مقوماتها، ومواصفاتها متشعبة بين إيديولوجية وأخرى، البعض يسمون ظهور
الإسلام ثورة، والشيوعية ثورة، وأمثال البعث سموا انقلاب حافظ الأسد وصدام حسين
بثورة، ومعمر قذافي كان يسمي حكمه بثورة! ليست التسمية هي التي يجب أن نقيم عليها
مجريات أحداث 12 آذار 2004م وبعدها أو قبلها، فهي جزء من مسيرة طويلة، تمتد إلى
قرون من الزمن، وتندرج ضمن ثورة الشعب الكردي الشاملة، تاريخياً وديمغرافياً، والتي
لم تخمد يوما في جغرافية كردستان، مثلما يصفها المؤرخون، أو الأعداء الذين قمعوها
بالأساليب الوحشية الفاشية، استمرت بسلمها وحروبها، و(سرهلدان)اتها لم تسكت سعيرها
يوما في الذات الكردية، ضد السلطات المستعمرة، وهم يدركون هذه الحقيقة، لذلك لم
يتوانوا من استخدام كل الأساليب لتشويه الحركات الكردية والكردستانية على مر
التاريخ، ولم تكن تهمهم حالتي الهدوء أو الحرب، ففي فترات السلام، نفثوا كل أنواع
المفاهيم الشاذة، والأفكار الضارة بين المجتمع لإلهاء الشعب بالثانويات وتغييب
الأساسيات، وما يجري على ثورة 12 آذار من نقاشات تندرج ضمن هذه المعضلة، فيتناسى
معظمنا، بعض الأحيان فاعلها وخلفياتها ونتائجها، وما يمكن الاستفادة منها، وكيف يجب
أن نواجه أعداؤنا الحاقدون مستقبلاً؟ تركنا الأساسيات وأصبحنا أمام قضية إقامة نصب،
لهبة أم انتفاضة أم شخصية ثورية، ترمز إلى الأحداث والشهداء، ونتصارع بين بعضنا من
ذكرها بهذه الكلمة ومن وصفها بغيرها.
 لندرس التاريخ قليلا، وننظر إلى ما جرى
سابقاً، فماذا سنسمي الحركات التي سبقتها، ثورات أم هبات أم انتفاضات، وهل علينا أن
نعيد التقييم لثورة شيخ سعيد البيراني، لربما سميت بالبداية بالانتفاضة، وهل فعلا
تحوي مقومات الثورة؟ وقد وصفها البعض من زعماء الحركة الكردستانية بالرجعية أو ما
شابه ذلك. ومثلها ثورات البرزاني، هل كانت انتفاضات متتالية؟ وغيرها، أسئلة تعيدنا
إلى دراسة التاريخ بأساليب أخرى غير التي تعلمناها من مدارس البعث والسلطات
الشمولية، لنخرج بنتائج غير التي تريدها الأعداء وهي المواجهة الكلاسيكية حيث
استمرارية الواقع الكارثي الجاري، وكيف يستخدمون أحزاب كردية كأدوات لفعل ما
يريدونه، ويفرضون على الوطنيين الشروط وبأساليب بشعة، فالقوي والمستبد يملك من
الإمكانيات التي تعجر عن مواجهتها أعتى الحركات الوطنية، فأصبح الأغلبية منا يتيه
في تحليلاته وطروحاته، وبالتالي يأتي الأخرون بالعكس، ويلتهي الكردي بذاته وخلافاته
الساذجة، وينجح العدو. علينا أن ندرس هذه الحالة وبعمق، وهي تأتي بأنهاء الصراع
الداخلي، وعدم تصعيد الخلافات الداخلية إلى سوية العداوة، والتوقف عن اتهام أي شخص
بالخيانة لمجرد خلاف فكري، أو سياسي، أو تكتيكي.
 12 آذار 2004م، معروفة
حيثياتها، ومدونة أحداثها، وأسماء الشهداء، والجرحى، والذين لابد وسيأتي اليوم الذي
ستعيد لهم جميعا الكرامة، والعزة التي يستحقونها، في جلينا أو عند الأجيال القادمة،
فالتاريخ العام لا ينسى. القضية افتعلتها سلطة بشار الأسد، وخطط لها البعثيون،
ودفعوا بالأشرار من أهل المنطقة ومحافظة دير الزور، بعثيي صدام، بالقيام بها، فكانت
الكارثة، والمجزرة بين شباب الكرد، فهبت الجماهير بالرد، وتحولت بين يوم وليلة من
مجزرة ضمن الملعب البلدي إلى انتفاضة شملت شوارع قامشلو، وبلغت عفرين ودمشق وهب
الكرد في معظم أرجاء العالم، صوتا أو مظاهرات، تحدثت عنها معظم الإعلام العالمي،
الأصدقاء والأعداء معا، وقيمت بشتى الطرق.  وتصاعدت كظاهرة، لتندرج ضمن الثورة
الكردستانية الكبرى، والتي من مهامها تعرية الطغاة، وإزالة الاستعمار أو إضعاف
هيبته بين الشعب الكردي، ودفعه للاقتناع بأن كل بشائعهم وجرائمهم لن تكسر عزيمة شعب
مستمر بالثورة، إن كان هادئا جالسا في بيته أو متحركا ومطالبا بحقوقه بالطرق
السلمية، أو بحركة، كحركة 12 آذار، والتي هي جزء من الثورة الكردستانية الكبرى
والمستمرة بدون توقف، وكم هي كثيرة الحركات الآذارية.
 الشعب الكردي لا يزال في
دوامة النضال ذاته، وكل من يسمي صراعه مع العدو بالثورة لا يخطأ، فالجغرافية
الكردستانية، ممزقة، والشعب الكردي يستغل بكل الطرق الدونية، فثورتهم هي ثورة
التحرر، الفكري والمادي، وكل شهيد كردي هو شهيد الثورة الكبرى، وهو صراع مع السلطات
والحكومات المستعمرة، ولا علاقة للشعوب المجاورة بها، فهم في بعضه مستعمرون فكريا
مثل الكرد، وعليهم مشاركة الكرد في مسيرتهم لتحرير كردستان، تحرير لهم من الطغيان
الفكري، والثقافة المشوهة، شرقنا قابل لبناء حضارات جديدة كالماضي فقط نحتاج إلى
ثورات أذارية عديدة للقضاء على الاستبداد والمستبدين.

د. محمود
عباس

الولايات المتحدة
الأمريكية

3/12/2016

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…