طالبان … النسخة الداعشية الجديدة والمطلوبة.!

عنايت ديكو 

أعتقد بأن سيناريو تسليم مفاتيح العاصمة الأفغانية ” كابول ” لحركة طالبان هو جزء مهم ورئيسي من المخطط الكبير والمرسوم لتوزيع مناطق النفوذ من جديد بين الكبار والكبار وبمعيّة بعض الصغار الكسبة في منطقة الشرق الأوسط والأدنى والأعلىٰ .! 
أولا: 
الغرب وروسيا وطالبان .!
فهدف روسيا الأساسي بات واضحاً وخاصة بعد انتصاراتها الوهمية لها في سوريا، وذهابها الى طَرْقِ باب قيادة العالم، وسعيها الحثيث الى التحكم بمفاصل ومتعرجات خط الحرير وخلق كماشةٍ استراتيجية حول مناطق وضواحي سيطرة ” العم سام ” في منطقة الشرق الأوسط والتحكم بمفاصل وشرايين الاقتصاد العالمي.
 ويبدأ قوس هذه الكماشة من كازاخستان المنتصرة على أرمينيا في الأعالي الى الحدود الأفغانية الصينية حيث المارد الصيني الهائج، والعودة تزولاً نحو إيران المنزعجة من الغرب وضمها الى المنصة واحتضانها، والمجيء نحو الخليج الفارسي معاً الى بوابة هرمز، حيث العصب الوريدي للاقتصاد العالمي، والضرب بيدٍ قوية على طاولة المصالح الدولية لتوزيع الكعكة من جديد كأيام ” روزفلت وتشرشل وستالين “. وعلى الطرف الثاني من ضلع الكماشة، نرى أيضاً تمدداً روسياً آخراً ومهماً، حيث يبدأ هذا التمدد من شبه جزيرة القرم الى أوكرانيا الضعيفة والمبتلعة من قبل روسيا، ثم مضائق البوسفور الى قاع البحر المتوسط والى مشارف ليبيا بالاعتماد على قاعدة الارتكاز الأساسية والحاضنة السورية العريضة لها في تشكيل وتأسيس هذا المحور ، للسيطرة على مداخل ومنافذ طريق الحرير، الى جانب إرضاء تركيا والتودد نحوها، عبر السماح لها بإقتطاع أجزاءٍ واسعة من الأراضي السورية والعراقية والأرمينية، لتكتمل بذلك ملامح المخطط الروسي الكبير للسيطرة على الشرق الأوسط حيث قلب العالم. فمن هذا المنطلق سارعتا كلٍ من روسيا والصين الى الاعتراف السريع والمتقدم بدولة طالبان الاسلامية، لأنهما تعلَمان قبل غيرهما، بأن زراعة طالبان ورُعبها على مفارق طرق آسيا الطويلة، سيحدّ من مفاعيل المخطط الروسي والصيني المشترك.  
وبناءاً على هذه المعطيات، وضرورة الوقوف أمام هذا التمدد الروسي القادم والمرعب، لا بد للطرف الآخر ونعني هنا دول الحلف الغربي، القيام بخلق نوعٍ من التوازن السياسي والاستراتيجي في هذا الصدد أمام الرّوس ومخططاتهم، والقيام ببناء سدودٍ وحيطانٍ وموانعٍ وستائرٍ بشرية وجغرافية ودينية وسياسية منيعة في قلب آسيا وعلى الحدود الملتهبة، وذلك لمنع القدوم والتمدد الروسييَن نحو دول الشرق الأوسط والمياه الدافئة، وللغرب تجارب كبيرة وعديدة وناجحة مع الرّوس بهذا الصدد .!
ثانياً:
الغرب وإيران وطالبان .!
قبل القيام بخلق ونشر هذه الدروع والموانع والمعوقات البشرية والعسكرية والسياسية من قبل الغرب أمام روسيا في قلب آسيا كما قلنا، لا بد للغرب هنا، أن يقوم بتغيير بعض السلوك وأصول وقواعد اللعبة الغربية في المنطقة، وتدوير بعض الزوايا الحادّة في استراتيجيتها وسياساتها القريبة والبعيدة، وابداء بعض الارتخاء والمرونة والليونة في الملف النووي مع إيران، وتقديم بعض المحفزات المالية والاقتصادية لها، والاعتراف بدورها المحوري والسياسي في قيادة ملفات المنطقة ضمن السياسات والاستراتيجات العالمية الكبيرة والمرسومة، وذلك من أجل أن لا تذهب وأن لا تقع إيران في الفلك والحضن الروسي .!
لذا يتطلب من الغرب هنا وأمام هذا السيناريو، القيام بدعم إيران ورئيسها الجديد وفي كافة المجالات وفتح باب الانفراجات معها، لتكون إيران قادرة على القيام بدور الشرطي كسابق عهدها الشاهنشاهي، واللعب بدورها المنوط، في خلق وبناء جدار برليني شرق أوسطي كبير أمام روسيا والصين معاً، والقادمتان بسرعة خيالية نحن السيطرة على كل شيء في الشرق والعالم.!
في الأخير نستنتج، بأن دعم وخلق النسخة الثانية من ” الدواعش” في قلب آسيا، لم يأتي من فراغ، بل أصبح ملحّاً وضرورياً ومطلوباً جداً للدول الغربية، من أجل مقارعة ومقاومة النفوذ الروسي والصيني المشترك، وإن كانت هناك قرابين على الأطراف وعلى طول وعرض المسرح في منطقة الشرق الأوسط وغيرها،.!
فإيران ستلعب دوراً ريادياً وكبيراً في هذه المعركة القادمة والاستراتيجية، وستستعيد دورها الاقليمي الكبير ضمن الظروف والمناخات المطلوبة والمرسومة، وسيكون لها أيضاً دور مشهود وبارز ومتقدم في قيادة الأزمة الأفغانية الهائلة وانشطارها. ولإيران تجارب عملية ناجحة مع الدول الغربية طوال كل الحروب في المنطقة وعلى رأس كل الجبهات، في أفغانستان والعراق والخليج واليمن ولبنان وسوريا.
فإيران سيكون لها دورٌ مميز في تشكيل هذا المحور الغربي الجديد، وما هدير الانتصارات والزغاريد الطالبانية الكبيرة اليوم، والوقوف على مداخل ومشارف طريق الحرير والتحكّم بعقارب الساعة الآسيوية … إلا إشارة إنذارٍ كبيرة للقيصر الصغير ” فلاديمير پوتين ” .!
فسقوط كابول يعني الطريق سالك نحو ” سور الصين العظيم ” والاقتراب من ميادين ” الساحة الحمراء “.!
……………………

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…