ما بال شبابنا؟

د. محمود عباس
هجرة الجيل الشاب من الحراك الكوردي بشقيه الحزبي-السياسي والثقافي، لا تقل عن كارثية هجرتهم من الوطن.
بقدر ما هو مدمر في الحالة الثانية مرعب في الأولى، رغم وجودهم الملفت للنظر سابقا في قواعد الأحزاب، قبل بدء موجات الهجرة من الوطن، إلا أنهم لم يكن يتجاوزون مراحل متقدمة في التنظيم إلا نادراً.
تناقصت أعدادهم وتراجعت نسبتهم بشكل ملفت في الحركة وبشكل خاص في قيادتها بشقيها السياسي والثقافي، وهي تعكس ظاهرة سلبية لقادم قضيتنا، لا بد من الوقوف عندها ودراستها، فهي حالة شبه استثنائية مقارنة بحركات الشعوب التحررية، لأن الشباب هم وقودها ومحركها، خاصة في المراحل الحساسة والمصيرية كالتي يمر بها شعبنا وحراكه الكوردستاني الأن.
لا شك، هناك شريحة أدبية – ثقافية نشطة، لها حضورها على الساحة، كسروا بعض جدران العزلة، بينهم من يقدم مواد تنوه إلى بدايات حركة تنويرية، ويسعدني متابعة النوعية في كتاباتهم، لكن ضعف النسبة مقارنة بالجيل القديم تظل مرعبة.
من يدرس هجرتهم من الوطن، والأسباب عديدة وهي معروفة لدى الجميع، عليهم ألا ينسوا هجرتهم أو ابتعادهم عن الحركة الحزبية والثقافية، فكلتاهما وجهين متكاملين لشبه دمار لحاضر وقادم قضيتنا، فغيابهم يعني غياب أسس إنقاذ الحاضر وبناء المستقبل.
  مشاركاتهم وبروزهم في ساحات الحركة الثقافية أفضل حالا من الحزبية، وذلك بفضل الحرية المتوفرة خلال الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما لا يجدي مع العمل الحزبي التنظيمي المسيج، وأحد أسباب هذه الإشكالية، إلى جانب تبعات الواقع الاقتصادي المزري، وتأثير الخلافات الحزبية على الوعي العام للمجتمع وغيرهما، يظهر الدور السلبي للجيل القديم في تراجع الشعور القومي أو الإحساس بالمسؤولية لدى الجيل المعاني من ويلات الحرب، واستمراريتها، فهو لا يزال تحت هيمنة مفاهيم الأنظمة الشمولية، وهو ما أثر على الحراك بشكل عام وعلى الجيل الشاب بشكل خاص.
  رغم كل الطفرات التي حدثت في شرقنا، وفي كوردستان بشكل خاص، لا تزال شريحة واسعة من قيادة الأحزاب تظن أن الحراك سيضمر بغيابهم، وأنه لا يمكن الاعتماد على الجيل الشاب القليل الخبرة، وبالتالي لا بديل عنهم في قيادة الحراك.
 فالإشكاليات التي حدثت في المؤتمرات الأخيرة لبعض الأحزاب، كالديمقراطي الكوردستاني وغيره، والتنظيمات خير مثال على ما نحن بصدده، فقد نوه لنا أن أكثر الممانعين لأحداث التغيير في التنظيم، وأساليب نضالها والتي ستحدث مع حضور الدماء الشابة، كانت الوجوه القديمة المسيطرة على الساحة المستفيدة من مال السياسة.
لا شك عزل القيادات المتمرسة مع السنوات كليا، والتي لها خبرة حزبية وليست سياسية، ستخلق حالة سلبية، لذا بقاء بعضهم في القيادة أو كمستشارين وخبراء في بعض المجالات ضرورة لا بد منها.
 وبالمقابل بقاء الأبواب مغلقة تدفع الجيل الشاب إلى الهجرة من الحراك بقدر الهجرة من الوطن، والعزلة تخلق لديهم نوع من الفراغ الوطني، وهذه تنمي فيهم روح الانجراف نحو ملذات الحياة خاصة الأوروبية مقابل صرف الطاقات من أجل القضية. بدونهم حراكنا سيذوب، مثلما سيضيع الوطن مع كارثة الهجرة والتغيير الديموغرافي، وغياب السلطة الكوردية.
يتطلب منا جميعا نحن الجيل القديم، السياسيين والأدباء والنقاد وغيرهم، محاولة إقناع قادة الحراك بالتراخي في الهيمنة التنظيمية، وشبابنا إلى العمل والمشاركة، على أنهم أمل هذه الأمة، عليهم تقع حمل المسؤوليات الوطنية، وإنقاذ الحراك من التراجع، لا بد من تصعيد الثقة بالنفس لديهم على أنه لهم القدرة على تقديم الأفضل لحاضر أمتنا.
 أقول وبكل ثقة، اعزائي الشباب، ولا أستثني أحدا، بل أتوجه إلى كل من يتكلم الكوردية أو يحمل الشعور القومي تجاه وطنه وشعبه، أنه بنضالكم يكون المستقبل مبهراً، بطاقاتكم يمكن إعادة بناء الحراك ووضعه على دروب متطلبات العصر، وبكم يزداد الأمل لبلوغ الغاية.
لا شك أنتم الذين قدمتم الألاف من الشهداء والجرحى، أنتم الجيل الشاب الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن، وفي الوطن، في سنوات الصراع القاسي هجرتم الحياة ولم تهجروا الوطن والقضية، لشهدائنا تنحني الهامات، فليتكم تحملون القضية ثانية بأساليب عصرية، أنتم خير من يتعلم بسهولة ويطبق تلك الأساليب.
الولايات المتحدة الأمريكية
17/4/2024

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…

Kurdê Bedro الأنفاق التي انتشرت في غربي كوردستان وامتداداتها نحو شنگال والرقة ودير الزور لا يمكن قراءتها كتحصينات دفاعية بريئة، بل كجزء من هندسة إقليمية محسوبة. من يحفر بنية تحتية سرية بهذا الحجم، على مدى سنوات، ثم ينسحب فجأة تاركا عشرات المليارات خلفه عند أول مباغتة، لم…