عودة الى سقوط المروحية الإيرانية نهر «آراس» أولا واخيرا

صلاح بدرالدين
لنهر – آراس – قصة طويلة مع الكرد، فالى جانب انه ينبع من السفوح الشمالية لجبال ( بينجول ) بكردستان تركيا، ويمر حاليا في عدة دول – أرمينيا وآذربيجان، وايران – حتى مصبه في بحر قزوين  بطول يفوق الف وسبعة عشر من الكيلومترات، ويعتبر النهر الأكبر في المنطقة التي يطلق عليها البعض – القوقاز – .
   فقبل سبعة وسبعين عاما عبر الزعيم الراحل مصطفى بارزاني، مع خمسمائة من مقاتليه هذا النهر للوصول الى الأراضي السوفيتية – سابقا – عشية  انهيار  جمهورية كردستان المعروفة بجمهورية مهاباد عام ١٩٤٦ والتي دامت احدى عشر شهرا، وكان البارزاني وصحبه قد هرعوا لنجدة الجمهورية، وتقديم الدعم العسكري على وجه الخصوص، ثم اضطروا لمغادرة كردستان ايران بعد انهيار الجمهورية الفتية، واعدام رئيسها – قازي محمد – بعد تخلي الاتحاد السوفييتي عنها لمصالحه الخاصة مع الحلفاء الغربيين .
وقد كتب الكثير عن هذه المسيرة الطويلة سيرا على الأقدام  اجتاز فيها البارزانييون حدودًا جبلية وعرة في  ايران وتركيا  حيث واجهوا عقبات كثيرة في طريقهم وصولاً إلى الحدود الأذربيجانية السوفييتية وبقوا هناك عشرة سنوات . ففي 18 حزيران 1947، بعد ثلاثة وخمسين يوماً من القتال وعبور الحدود الإيرانية والعراقية والتركية، ومواجهة جيوش ومسلحي ثلاث دول وإفشال تهديدات الأعداء، وخلال مسيرة طويلة وشاقة، إستطاع البارزاني الخالد بصحبة رفاقه عبور نهر آراس والوصول الى أراضي الإتحاد السوفيتي من – نخجوان – في جمهورية أرمينيا السوفيتية، لقد كانت لهذه الملحمة أبعاداً قومية وتاريخية وسياسية وعسكرية كبيرة، كما تركت التأثير الحاسم على إستمرار قضية الكورد المشروعة في تلك المرحلة والمراحل اللاحقة .
   كما ان لنهر – آراس – علاقة مباشرة بصراع أذربيجان وأرمينيا حول مقاطعة – ناكورنو قرةباغ – التي أقيمت فيها بعهد – لينين – جمهورية كردستان الحمراء – حيث كانت نسبة كبيرة من سكانها من الكرد والذين شردوا وتوزعوا،  بعد المعارك الطاحنة بين الدولتين، وسيطرة آذربيجان على الإقليم .
 وفي نقطة على ضفة النهر في الحدود المشتركة الإيرانية الآذرية افتتح الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، ونظيره الأذربيجاني، إلهام علييف،  يوم الاحد المنصرم ( ١٩ – ٥ – ٢٠٢٤ )، سد “قيز قلعة سي”، الذي تم بناؤه بشكلٍ مشترك بين الدولتين الجارتين على نهر آراس.
ويقع سد “قيز قلعة سي” في منطقة – خودا آفارين -، في مقاطعة أذربيجان الشرقية شمال غربي إيران، بسعة 62 مليون متر مكعب، وسيوفر المياه لشبكات الري والصرف في مقاطعة خودا آفارين، وفقاً لوكالة “تسنيم” الإيرانية.
  وهناك العديد من السدود أقيمت على ضفاف – اراس – في البلدان الأربعة اما بشكل منفرد، او مشترك وذلك لأغراض إنمائية .
  وعلى مسافة غير بعيدة من مجرى نهر – آراس ـ سقطت المروحية التي اقلت الوفد الإيراني، ولقى الجميع حتفهم .
من مفارقات التاريخ والجغرافيا 
قبل سبعة وسبعين عاما اسقط  آباء واجداد الرئيس الإيراني – المقتول بحادث سقوط مروحيته، جمهورية – مهاباد – وحاولوا  القضاء على من ساهموا ببناء الجمهورية من خلال ملاحقتهم حتى نهر – آراس – واليوم يلفظ أنفاسه الأخيرة بسقوط مروحيته قرب النهر ذاته.
حينذاك كانت قلوب الملايين من كرد المنطقة والعالم تخفق بالاسى لضياع الحلم القومي ولو الى حين، وبالتنديد بالنظام الشاهاني المستبد، وبنوع من السعادة لنجاة الزعيم الراحل البارزاني وصحبه، ووصولهم الى بر الأمان، والان وبعد نحو قرن من الزمان فان السوريين عامة، والكرد على وجه الخصوص ومن دون اية شماتة، والاخذ بالاعتبار كل الجوانب الإنسانية، لايتمنون الخير لنظام ايران الدكتاتوري، ومع أي عمل، وحدث، وتطور على طريق اسقاط ذلك النظام، واضعافه لانه يشكل خطرا على شعوب المنطقة وفي المقدمة الكرد، وفي الوقت ذاته قد نجد بعض الكرد لاسبابهم الخاصة ينكسون الاعلام لمقتل دكتاتور مطلوب لوجه العدالة قتل وعذب الالاف، من بنات وأبناء شعوب ايران وفي المقدمة شعب كردستان ايران حيث مازالت دماء – زيان اميني – لم تجف بعد، ودعم بالمال والسلاح دكتاتور سوريا ضد شعبه، وساهم باثارة الفتنة المذهبية، واشعال الحروب ببلدان المنطقة، ويقدمون التعازي لطغاة طهران، وهذه حقيقة رغم مرارتها تجسد الوضع الراهن، وتعبر عن الواقع الموضوعي لخصوصية الحركة الكردية في كل جزء بالبلدان الأربعة، وتقاطع المصالح الانية بين الأطراف والجماعات الحزبية، وهذا يؤكد من جديد ضرورة ردم الفجوات، وإزالة الخلل الحاصل في العلاقات الكردية – الكردية، وبنائها على قاعدة الشفافية، والمصارحة،  وتحديد الأولويات  .
نهر – آراس – الذي تبارك به الكرد بتسمية مواليدهم ( بآراس )، دخل تاريخنا من بوابة الجغرافيا، وسيبقى بردا وسلاما لمناضلي الشعوب المجاورة من اجل الحرية والسلام، والتنمية، وعصيا امام الطغاة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…