حتى لا تتشوه الأجيال ..

روني علي

  قد نتفق أو نختلف، نحن الفاعلين أو المنفعلين في حقول السياسة والثقافة، حول بعض القضايا والمسارات، تلك التي تحتضن الفعل السياسي، وتفرز من تداعيات في المشهد الثقافي، سواء ما تتعلق منها بالجانب الوطني أو بالبعد الإقليمي، وسواء ما تتصل بطبيعة النظام وشكل الحكم وممارساته، أو شخص الحاكم والجهة التي تحكم البلد، وعليه فقد يكون لكل منا تصوراته بشأن المستقبل السياسي للبلد، وما ستؤول إليها الأوضاع في المنطقة، وذلك استناداً إلى الرؤى أو البرامج أو الأجندات، التي يحتكم إليها كل منا، وهذه مسائل جد طبيعية؛ إذا ما أخذنا الرأي والرأي الآخر مقياساً في الحالتين (الاتفاق أو الاختلاف)

إلا أن الذي ينبغي ألا نختلف عليه؛ أو يشكل القاسم المشترك في الحالة الوطنية؛ مقارنة بمجمل الدعوات التي تطرحها القوى الوطنية والديمقراطية، من ضرورة الدخول تحت خيمة الوطن، وفق مقاسات الوطنية، هي تلك القوانين الناظمة لحياة الوطن والمواطن، والتي عليها تقع مسؤولية وضع الآليات والضوابط والحدود بين السلطات، وبجهاتها المختلفة، والمواطن بانتماءاته المتعددة، حيث أن انهماك الكل المشتغل في حقول الحراك السياسي والثقافي، في أن يحدد آلياته، التي من شأنها دفعه صوب مواقع، فيها تجسيد لتوازناته وتحقيق لمكاسبه، يلهيه عما يصيب الجسد الوطني من درنات وتشوهات، لأن دخول الكل معترك اللعبة السياسية دون الرجوع إلى الحامل المجتمعي، ودون إيلاء الأهمية لمسائل التربية الاجتماعية وتنشئة الجيل، بناء على مقومات الوعي، يحيل المجتمع برمته إلى دائرة الفوضى، وذلك بنتيجة طغيان بعض المظاهر التي تطغى وتتبلور، وتخلق فجوات عميقة في الاستقرار النفسي لدى المواطن، إلى جانب المظاهر التي تؤسس في الفعل السياسي، لنزعات ونزاعات، فيها تهميش للشارع وإقصاء لدوره، بل جعله يدخل ضمن دوامات، فيها الكثير من المتاهات، التي قد تدفعه إلى خارج الفعل الذي نريد الوصل إليه من خلاله ..
   إن ما يجتاح الشارع السوري من مظاهر سلبية، يفسح المجال واسعاً أمام عصابات القنص والسلب والنهب، وترويج ما فيه إهدار للقيم وتخريب للجيل، هي حالة يمكن اعتبارها، على أنها تستند على ركيزة الخلل في السياسات التي تتبناها السلطة بالدرجة الأولى، والتي تشكل في حقيقتها، مناخاً لخلق حالة الفوضى، وإدخال الشارع ضمن هواجس الخوف والقلق على أمنه، وبالتالي جعل المواطن يعيش ذاته بعيداً عما هو مطالب به من دور ومهام، إلى جانب الأداء السلبي للقوى السياسية / الحزبية، وعدم اكتراثها بما يتعرض له المواطن من انحلال في القيم وتخريب من الداخل ..
   ولا نغالي إن قلنا؛ بأن كل ما يجري في الشارع كنتيجة لمثل هذه السياسات والممارسات، تستمد ديمومتها بالدرجة الأولى من غياب المؤسسات التي تهدف إلى تنشئة المواطن الواعي، وطغيان حالة الفساد والإفساد ضمن المؤسسات القائمة، بل حتى ضمن القضاء، الذي تخلى عن دوره في ردع الجريمة، واتخذ سبيلاً آخر يساهم في إشاعة كل ما من شأنه أن يدفع بمظاهر الخلل ضمن الحالة المجتمعية إلى التفاقم والتأزيم، حيث المحسوبية والرشوة ومراكز القوة التي لها القدرة في أن تفعل فعلها في كل مفاصل الحياة، ومن ضمنها القضاء، مما يجعل من الفرد المجرم يعيش بمنأى عن الحساب والعقاب، خاصةً لو أدركنا أن وراء كل نوع من أنواع الجرائم، إضافةً إلى الواقع الاقتصادي المزري، والتشوه السياسي والثقافي، والبطالة، خيوط وخطوط خفية، لها الدور الأساس في تهيئة المناخات التي تولد مقومات الجريمة ..


   إن الحالة التي عليها البلد، وبالترافق مع استفحال مثل هذه المظاهر، تنبئ بمخاطر حقيقية، إذا لم نتخذ من وسائل الردع والوقف في وجهها سبيلاً، لأن فيها هدم للجيل وتشوه للقيم وانهيار لمرتكزات المستقبل، وعليه فإن الخطوة الأولى على طريق الإصلاح أو الحد من انتشار الحالة، تكمن في تبني مؤسسات المجتمع المدني، سواء السياسية منها أو الثقافية والاجتماعية، برنامج الإصلاح الاجتماعي، وذلك من خلال المنتديات الثقافية وتوعية الأهل في متابعتهم لأبنائهم، كذلك متابعة احتياجات الجيل ودفعهم نحو أشكال يمكنهم من خلالها ممارسة ذواتهم، بدلاً من تركهم عرضةً للقنص والافتراس من لدن عصابات الإجرام وبأشكالها المختلفة ..
   نعود ونؤكد بأن مستقبل الجيل في خطر، وبالتالي فإن مستقبل البلد في مأزق، لأن في ضياع الجيل، إضاعة لبنيان الدولة القائمة على طاقاتها الشابة، وأن مسؤولية هذا المآل، تقع بالدرجة الأساس على الأهل، ومن ثم مؤسسات المجتمع، كون السلطة تمارس ذاتها بمنأى عن كل ذلك، لا بل تساهم من خلال الفساد المستشري، إلى تفاقم الحالة والدفع بها نحو الخروج من تحت السيطرة وإمكانية المعالجة ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…