تركيا في عين الأكراد

مرشد اليوسف
m.yousef2@yahoo.com

يعتقد معظم الأكراد يأن النظام التركي يفتعل الأزمة الحالية لتحقيق هدف استراتيجي  يراود الأنظمة التركية المتعاقبة منذ زمن طويل و هو ضم كردستان العراق والموصل الى تركيا واحتلال منابع النفط في كركوك, ولكن لماذا في هذا الوقت بالذات؟
في البداية لابد من استعراض العلاقة التركية الأمريكية ابان الحرب الأمريكية على نظام صدام, والموقف التركي الرافض لهذه الحرب, والحقيقة أن تركيا من الدول القليلة في العالم التي تتمسك بمصالحها الاستراتيجية عندما تتعارض تلك المصالح مع مصالح حلفائها الأمريكيين والأوربيين وتخرج عن الطاعة, وهذا مافعلته عندما غزت واحتلت جزء من قبرص في عام 1974عكس رغبة حلفائها البريطانيين والأمريكيين
وضمن هذا الاطار جاء دعم نظام صدام حسين الحليف السري الأقوى للنظام التركي ضد التمدد الايراني من جهة وضد تطلعات الشعب الكردي نحو الحرية والانعتاق من جهة أخرى, وبوصفه الشريك الاقتصادي الأول بامتياز—— وهذه الأمور الثلاث, وقف التمدد الايراني, القضاء على تطلعات الشعب الكردي, دعم وحماية الاقتصاد التركي مقدسات في السياسة التركية وخاصة موضوع قمع الشعب الكردي الذي يشكل 25% من سكان تركيا, وترى تركيا أن القضية الكردية أهم الثغرات والمخاطر التي تعترض مسيرة نظامها ووحدتها منذ قيام الجمهورية على يد أتاتورك في عام 1923 ولو كان بمقدورها دعم وحماية نظام صدام المعادي للشعب الكردي لفعلت ذلك بكل ما أوتيت من قوة, وعبرت تركيا عن موقفها ودعمها لنظام صدام عندما رفضت السماح لأمريكا باستخدام قاعدة انجرليك والأجواء التركية لشن الهجمات على العراق, والحقيقة كان لهذا الرفض التركي معان كبيرة ودلالات أكبر أهمها أن تركيا تعتقد أن النظام الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط يقوض سلطة الأنظمة الاستبدادية ويميل نحو مصلحة شعوب المنطقة وحقوق الانسان والقوميات والأقليات ونشر الديمقراطية, وترى تركيا أن حل مشكلة جنوب السودان على أساس كونفدرالي وقيام فدرالية أقليم كردستان العراق بمباركة أمريكا, ودعم أمريكا لثوار دار فور في السودان والتغاضي عن وجود منظمة مجاهدي خلق في العراق والتغاضي عن نشاط حزب العمال الكردستاني في أقليم كردستان العراق ومحاولة تقويض النظام في كل من سوريا وايران وتحجيم قوة حزب الله في جنوب لبنان وحركة حماس في غزة أولى الخطوات في السياسة الأمريكية الجديدة, وتخشى تركيا من تقسيم حقيقي وخارطة جديدة للشرق الأوسط وقيام دولة كردستان, وحسب رأي الجنرال الأمريكي المتقاعد رالف بيتر المنشور في مجلة القوة العسكرية الأمريكية, تحت عنوان حدود الدم فان التقسيم المفترض سيشمل تركيا أيضا ودول أخرى واقامة دول جديدة, وجاء التصعيد التركي في هذه المرة بالتزامن مع التفاهمات الكردية العراقية في بغداد حول الاسراع بتنفيذ المادة 140 من دستور العراق الفيدرالي وتطبيع الأوضاع في كركوك ومن ثم اجراء الانتخابات, وتعتقد تركيا أن الاستفتاء سيأتي لصالح الأكراد بحكم الواقع وبالتالي ستلحق كركوك بأقليم كردستان وهذا أخطر شيئ تخشاه تركيا في تاريخها المعاصر, والخطورة حسب وجهة النظر التركية تكمن في هيمنة الجانب الكردي العراقي على حقول النفط في كركوك وهو مفتاح قيام كردستان الكبرى, وضمن هذا الهاجس تتحرك تركيا اليوم ,وتاتي التهديدات التركية الحالية باجتياح أقليم كردستان العراق ضمن سياسة تركية وقائية في مواجهة المشروع الأمريكي والنزعة الكردية الانفصالية المفترضة من جهة, وضمن هدف استراتيجي تركي قديم جديد هو احتلال وضم منابع نفط كركوك في أقليم كردستان حتى الموصل الى تركيا من جهة أخرى,وهذا لايرضي أحد, فالأمريكيون يرون أن هذا الاجتياح ليس لصالح استراتيجتهم في المنطقة ووجودهم في العراق خاصة وأن المكان الوحيد في العراق الذي يتمتع بالهدوء هو أقليم كردستان, وأي هجوم من هذا القبيل سيخلط الأوراق الأمريكية من جديد ومن ثم العودة الى المربع الأول ونقطة الصفر, و الأكراد في جميع أجزاء كردستان وفي المهاجر يعتقدون أن أقليم كردستان العراق والنظام الفيدرالي الذي يتمتع به الشعب الكردي في العراق نموذج حضاري لتعايش الشعوب في بلد متعدد القوميات يصلح ليكون أساسا لحل المشكلة الكردية في الأجزاء الأخرى لذا ينبغي المحافظة عليه بشتى الوسائل وحتى بالحرب الى جانبه – اذا استدعى الأمر ذلك – ضد أي معتد وهذا ما صرح به حزب العمال الكردستاني أيضا في أكثر من مناسبة, والنتيجة سيتحول الأقليم الى مقبرة للغزاة الأتراك وتشتعل الحرب الحقيقية بين الشعب الكردي والشعب التركي, ورغم أن الظروف غير مواتية في الوقت الحاضر للقيام بهذه المغامرة لجهة الرفض الأمريكي والأوربي والتصميم الكردي على الدفاع فان هناك أطراف في المنطقة تصب الزيت على النار وتدفع تركيا الى ارتكاب هذه الحماقة ناسية أو متناسية أن هذه الحرب سوف تطال الجميع وبالتالي ستدخل المنطقة برمتها في نفق مظلم.

ومن المتوقع في هذه الحالة أن يثور الشعب الكردي ويعلن عن اقامة دولة كردية مستقله تشمل أكراد العراق وتركيا.وعلى ضوء هذه الاحتمالات والنتائج ليس هناك طرف منتصر وطرف منهزم ,أو طرف رابح وطرف خاسر, فالطرفين سيكونان خاسرين, بل ستخسر تركيا أكثر وتدخل المنطقة في صراع جديد وهذا ما لايرضاه أحد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…