هل يستحق الخلاف في(ديرونه) أن يغير أعراف العزاء فيها ؟؟؟؟!!!!

 المحامي محمود عمر

تعتبر طقوس العزاء لدى الكرد من العادات الحميدة والمتأصلة والتي ساهمت على مر التاريخ في الحفاظ على وحدة المجتمع الكردي وبث عوامل الوفاق فيه, نظرا لما تتضمنه هذه الأعراف من معاني المشاركة والود والوئام والمحبة والإحسان والإيثار,لذلك فقد ظل الكرد متمسكين بهذه العادات منذ آلاف السنين وان كانت تتطرأ عليه بين الحين والآخر بعض التغيرات التي كان يقتضيها طبيعة تطور الحياة البشرية والظروف المستجدة فيها, وكانت القرية الكردية وعلى الدوام البيئة الأكثر ملائمة لنمو وترسيخ وتطور هذه العادات.
 فما أن يتناهى إلى مسامع أهل القرية إن شخص ما قد قضى أجله حتى تدق ساعة الصفر ويتوقف الجميع عن ممارسة أعمالهم الخاصة , ويبادر الكل مسرعا للقيام بواجبه في هذه المهمة الطارئة, يسدل الستار وعلى وجه السرعة على كل مظاهر الفرح يتوقف العرس القائم وتؤجل كل المناسبات التي لها طابع الفرح من حالها, تغطى أجهزة الراديو والمسجلات وحديثا التلفاز بأغطية, يعم الحزن على كل الوجوه حتى تحسب إن كل أسرة في القرية قد فقدت هذا العزيز, يبدأ الناس بالتوافد مسرعين إلى بيت المتوفى للمواساة , وإذا ما كانت الجنازة قادمة من خارج القرية ينتقل اهلها إلى نقاط اعتادوا أن يستقبلوا جنائزهم فيها, بينما يشمر الجيران عن سواعد الجد لإعداد الطعام لأسرة المتوفى وضيوفهم , وفي هذه الأثناء يكون آخرون قد انتقلوا بعدتهم إلى المقابر وذلك لأعداد القبر وتجهيزه, بينما يكون آخرون قد وصلوا الى الجامع مع الإمام للقيام بواجب الميت من غسل وكفن وصلاة, أما في حال كون المتوفى أنثى فإن بعض النسوة التي أصبحن متمرسين في هذا العمل يقومون بهذه الواجبات في منزلها الذي يؤمه ومنذ اللحظة الأولى كل نسوة القرية, بينما تتسارع الصبايا لجمع  وتنظيف وأعداد  ما تستلزم خيمة العزاء من فرش وأدوات, بينما يقوم البعض الآخر بنصب خيمة العزاء, وهكذا تعمل القرية في هذه المهمة كخلية النحل ,وان  تأصيل وتواتر هذه الأعراف قد جعلت أهل القرية متمرسين في أعمالهم كل يقوم بمهامه دون تكليف أو إرشاد وبمنتهى الإتقان ,وما أن يتم  تجهيز الميت حتى يحمله الرجال على الأكتاف يتبعه كل أهل القرية والمعزين يتقدمهم الإمام ومن خلفهم النسوة إلى المقبرة للدفن أصولا,وما أن ينتهي الإمام من التلقين بعد الدفن يتقدم أحد أقارب المتوفى بتوجيه الشكر للجميع على مشاركتهم لهم في مصابهم, بعدها يتبادر بعض الرجال لإرشاد الضيوف وأهل المتوفى إلى البيوت التي أعدت الطعام, بينما تكون بعض البيوت الأخرى منهمكة بنقل الطعام إلى بيت العزاء, وذلك لإطعام نسوة البيت وضيوفهم, وبعد أخذ قسط من الراحة يتوجه الجميع إلى خيمة العزاء لتقديم واجب المواساة مع التخفيف في هذه الزيارة الأولى لإعطاء أهل الميت فرصة للراحة, استعدادا لاستقبال معزيهم في الأيام القادمة, وفي الوقت الذي يغادر سكان القرى المجاورة يبادر بعض الأشخاص ممن وقع عليهم الاختيار مسبقا بجمع مبلغ من المال من كل بيوت القرية, وذلك كنوع من المساهمة وتخفيف العبء عن أهل الميت , وهكذا يظل أهل القرية مواظبين في مشاركة ذوي الميت العزاء  يستقبلون معهم الضيوف ويودعونهم  ويعدون الطعام  لمجلس العزاء طيلة أيامه.

 هذه بعض أعراف العزاء التي ظل الكرد يواظبون عليها منذ القدم فما الذي يحدث في (ديرونه) هذه الأيام؟؟؟
 (ديرونه آغى) من القرى الكردية  التي تتجه الأنظار إليها وعلى الدوام في منطقة (آليان ) نظرا لما تتمتع به هذه القرية من مكانة تاريخية واجتماعية وكونها ومنذ القدم قرية آهلة ومكتظة بالسكان وكان لها دوما زمام المبادرة في التمسك بهذه العادات  وتغيير بعض مظاهرها التي يقتضيها تطور الحياة وتعقدها,وكانت بذلك ترفع الحرج عن عموم قرى المنطقة التي تتبعها في ذلك, ومنها على سبيل المثال انه قديما كان كل معزي من خارج القرية أو داخلها يقوم بتقديم نوع من المساعدة النقدية أو العينية لأهل الميت ونظرا لصعوبة الاستمرار في هذه العادة, بادرت هذه القرية بتغييرها واستبدالها بقيام بعض أفراد القرية بجمع مبلغ من المال من عموم القرية في اليوم الأول من  كل عزاء وتقديمه كمساعدة لأهل الميت, وكذلك استحداث صناديق عائلية تخص كل عائلة وتسعفهم في الملمات, ومن العادات الأخرى والتي كانت (ديرونه) سباقة في ترسيخها هي تقليص مدة بقاء خيمة العزاء من سبعة أيام إلى ثلاثة والاكتفاء كذلك بتقديم القهوة المرة والماء للمعزين,وترك عادة تقديم الطعام إضافة إلى المطالبة المتكررة بترك عادة التدخين تحت خيمة العزاء وذلك كله للتخفيف ورفع الحرج عن أهل الميت.

هذه العادات ظلت تمارس في البيئة الكردية أيا كانت الظروف والأحوال التي يمر فيها الكرد لم تنل منها الفقر والظلم والعداوات والثارات, بل ان التاريخ يذكر ان واجب المشاركة في مراسم الدفن العزاء كان يتم من قبل العوائل والعشائر التي كان العداء والثأر مستفحلا بينها تنسى طيلة أيام العزاء خلافاتها وكأنه ليس بينها شائبة, وكانت هذه المشاركة على الدوام باب خير لفض المنازعات والخلافات وعودة الوئام والمحبة ونبذ الفرقة ولجم الخصام وحقن الدماء, وفي الحالات التي لم يفلح العزاء في الصلح كان كل طرف يعود بهدوء الى موقعه بعد العزاء, والتاريخ يسجل انه  بعض العشائر كانت تقوم بإسعاف وتضميد جراح المصابين من الطرف الآخر أثناء المنازعات وتهتم بهم وتعيدهم معافين إلى أهلهم, وحتى ان البعض كان يقوم بغسل وتكفين ممن لقي حتفه أثناء النزاع وتسلم جثته عبر وسيط إلى أهله وعشيرته.
 في كل المراحل الحلوة والمرة لم يترك الكرد عاداتهم هذه وكان عدم المشاركة في العزاء يشكل عملا مذموما وممجوجا وغير مبررا تحت أية ذريعة,فما الذي حدا بـ(ديرونه) في مخالفة كل هذا الإرث  المتأصل من العادات والتقاليد؟؟!!!
تمر الجنازة في القرية وتلاحظ بعض العائلات وكأن الأمر لا يعنيها لا يخرج أفرادها من بيوتهم لم يستقبلوا الجنازة لم يشاركوا في مراسيم الدفن لم يقوموا بواجب العزاء وحين السؤال أجاب البعض بأن جنازة منهم  وقبل عدة أيام قد تم دفنها ومر الدفن والعزاء وكأن الأمر لا يعنينا نحن أيضا وتكرر هذا من الطرفين أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة, نحن في حالة قطيعة  كلية منذ أن دب الخلاف بيننا على خلفية قانون العلاقات الزراعية الجديد .

انها همسة ود وحبة  في آذان أهلنا الأعزاء في ديرونا ودعوة للكل لمراجعة أنفسهم وللعودة الى جادة الصواب  طالما كن في خلاف واختلاف وطالما تمسك كل منا بوجهة نظره وكان على قناعة بأن الحق كل الحق في جانبه وان الأخر على الباطل وكان عاى الدوام يتم حل الخلاف وكل هذا لا يضير ولم يفسد للود قضية لأن الخلاف والإختلاف من طبيعة البشر ومن طبيعة الحياة البشرية.

ولكن أن يكون الخلاف سببا يوم  للقطيعة وسببا من أسباب عدم التمسك بالعادات والأعراف الحميدة والقيام بما يقتضيه الواجب, و سببا للإنعزالية  والتفرقة بهذا الشكل فهذا هو الضير بذاته, انها همسة ود ومناشدة  لأولي الأمر من الطرفين في أن يتمسكوا بزمام المبادرة وأن لا يستفحل الأمر أكثر من مما وصل اليه كي تعود المياه الى مجاريها, ويعود الود والسلام  وهي دعوة لأصحاب الرأي وذو الألباب وأهل العلم  والمشورة في القرية ليخرجوا من صمتهم  ويدلوا بدلوهم حتى لا تسن (ديرونة) سنة سيئة فتصبح العادات والأعراف الحميدة  بسبب الخلاف كهشيم تزروه الرياح وتحمل (ديرونه) وأهلها وزرها ووزر من يعمل بهذه السنة السيئة الى أن يأتني أمر الله عليها ويجليها, انها فقط همسة ود لكي تعود (ديرونه)  منارة لعموم أهل المنطقة في سن السنن الحسنة.

    

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…