على الكرد النأي بالنفس عن الفتنة السنية – الشيعية

صلاح بدرالدين

    الحرب المذهبية مشتعلة ويجري العمل على تسعيرها في كل فضاءات بلدان الشرق الأوسط تقريبا بدفع وتورط مباشرين من محور ايران ونظام الأسد وخلفهما الطغمة الروسية الحاكمة وعبر أدوات معروفة من جماعات منظمة متباينة في المنشأ القومي وعصابات مسلحة تغلب عليها ظاهرة الارتزاق والانشداد المذهبي تم تهيئتها في العقود الثلاثة الأخيرة للقيام بدورها المزدوج في خدمة التوجهات الطائفية للنظامين (الممانعين !) وادامتهما لأطول وقت ممكن أولا ولمواجهة (وهو الأخطر) قوى الثورة والتغيير الديموقراطي منذ اندلاع انتفاضات الربيع في المشرق والمغرب حربا أو بالاختراق لتشويه صورتها .
   في التاريخ الكردي القديم تجارب مريرة بهذا الشأن ومعاناة بلغت أعلى درجاتها منذ أن استغلت الامبراطوريتان العثمانية (السنية) والصفوية (الشيعية) الشعب الكردي في صراعهما حول النفوذ والسيطرة وتحويله وقودا لمطامعهما ومجرد أن توصلتا الى عقد اتفاق السلام وحل مسائل الحدود وتوزيع مناطق النفوذ بينهما بعد معركة – جالديران 1514 م،- كان الكرد من أوائل الضحايا وأكثرهم تضررا فتم تقسيم وطنهم وللمرة الأولى بين الامبراطوريتين وعدم الإيفاء باالوعود المعسولة من الطرفين وحرمانهم من أية حقوق بل تجاهلهم وتشتيت شملهم وتحويل بلادهم الى ساحات المعارك والحروب والدمار والخراب الى يومنا هذا وباسم الدين والمذهب تم توريط الكرد في معارك لاناقة لهم فيها ولاجمل ضد شركائهم في المصير وضد الجيران والقريب والبعيد ؟ ألم تحرض تركيا (السنية) أتباعها من بعض تركمان كركوك ضد المطامح المشروعة لشعب كردستان العراق ؟ وتحت نفس الشعارات تعرض الكرد الى حروب الإبادة والتطهير العرقي في مختلف مراحل التاريخ ألم يقلب لهم العثمانييون ومن بعدهم – كمال أتاتورك – ظهر المجن ويضللوهم لعقود ؟ ألم يحاربهم نظام ولي الفقيه الشيعي منذ (الثورة الإيرانية) تحت دواعي المذهبية والطائفية ألم يفرق صفوفهم عندما تم فرز الكردي الشيعي عن بني قومه السني في مفاضلة : المذهبي – القومي ؟ ألم يؤلب نظام ايران بعضا من متزعمي الشيعية السياسية اللبنانية ضد اخوتهم (المفترضين) من أحرار كرد ايران والمساهمة في عمليات اغتيال قادتهم في برلين ؟ألم يضطهد نظام (الأسدين) الطائفي المحسوب على الشيعية السياسية وباسم المذهب كرد سوريا منذ عقود وحتى الآن وينفذ بحقهم الخطط والمشاريع العنصرية ويستكمل المسلسل بحلقة جديدة بتسعير الفتنة بين كرد علويين (جماعات ب ك ك في جبل قنديل) والكرد الوطنيين الآخرين من مناصري الثورة السورية والمشاركين فيها ؟ .

  نتابع الآن في وسائل الاعلام تحريضا مذهبيا سافرا من جانب كتاب وصحافيين محسوبين على نظم ومراكز قوى خليجية يصورون المواجهة الدائرة بالمذهبي – الطائفي الصرف ويدعون الناس وضمنهم الكرد (ذو الغالبية المسلمة السنية) الى النفير المذهبي السني في مواجهة الشيعي ويتناسون عن قصد أن جوهر الصراع هو بين التقدم والارتجاع والحرية والعبودية والديموقراطية والاستبداد ويقفزون فوق حقيقة أن هناك بين الطرفين طبقات وفئات اجتماعية متباينة أخيار وأشرار وارهابييون ووطنييون صادقون وانصار ثورات الربيع وأعدائها ونتساءل أين كان هؤلاء الحريصين جدا على (اخوتهم الكرد السنة) عندما هاجم نظام صدام السني حلبجة بالأسلحة الكيميائية وأباد الكرد العراقيين في حملات الأنفال واعدامات البارزانيين وضحايا المقابر الجماعية  ؟
  السفير الإيراني في بغداد أو كما يسمونه (المندوب السامي) يزور السليمانية ويجتمع بقادة كل من حزبي (الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة كوران) متجاوزا دستور العراق الاتحادي وإرادة شعب الإقليم في تجاهل المؤسسات التشريعية والتنفيذية المنتخبة في العاصمة أربيل والموضوع هو ابلاغ رسالة شديدة الوضوح مثيرة للفتنة كدعوة الى اتخاذ موقف مناوىء لسياسة رئاسة الإقليم حول الوضع العراقي العام والقضايا الخاصة بكردستان مقابل الإعلان عن إقليم او كانتون في كل من السليمانية وكركوك تحت سلطة الطرفين الكرديين كما صرح مساعد وزير خارجية ايران المسؤول عن الملف السوري (عبد اللاهيان ماغيرو) بأن الاستفتاء المزمع اجراؤه لمعرفة قرار الشعب حول مصيره كممارسة ديموقراطية هو مشروع إسرائيلي سنواجهه بكل قوة والاستنتاج السريع لمايجري والذي على الأصدقاء من الديموقراطيين العرب معرفته هو أن القيادة الشرعية للإقليم الكردستاني وسائر قوى الحركة الوطنية الكردية الديموقراطية التي تواجه نظام الأسد وأعوانه وشبيحته وتقف مع الثورة السورية كانت ومازالت عقبة أمام المشروع الإيراني التوسعي في العراق  وسوريا والمنطقة .

  من حسن حظ الشعب الكردي المتعدد الديانات والمذاهب والطرق المتآخية في جميع أجزاء وطنه وأماكن تواجده أن حركته الوطنية وتنظيماته السياسية تستند عموما منذ نشوئها الى المفاهيم العلمانية في تفسير التاريخ والمنهج الفكري والثقافي وفي مفاصل برامجها القومية والوطنية وفي رؤيتها للتغيير الديموقراطي ومواقفها الإيجابية من ظاهرة ثورات الربيع وايمانها الذي لايتزعزع بمبدأ (الدين لله والوطن للجميع) وأن الأولوية للنضال الوطني وحق تقرير المصير لكافة الشعوب وللعيش المشترك بين كل المكونات القومية والدينية والمذهبية التي تشكل قاعدة معظم بلدان الشرق الأوسط وخاصة الدول الأربعة التي تقتسم الكرد ووطنهم وأن ذلك النهج بالذات هو مايدفع الجميع الى احترام القيادة السياسية ورئيس الإقليم الكردستاني السيد مسعود بارزاني وتتوجه اليه الأنظار للقيام بدور وطني كبير في حل الأزمة العراقية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…