الجهاديون الكُرد قادمون؟


 ابراهيم محمود

لا بد أن المتابع للتنظيمات الجهادية أن يتذكر الملا كريكار مع” أنصار الإسلام “، وكذلك أبو عمر الكردي مساعد الزرقاوي والمقرب إليه منفذ عملية اغتيال الرمز الشيعي المشهور محمد باقر الصدر في شباط 1999، والذي أعدِم لاحقاً، وأبو أنس الكردي الذي قتِل في الموصل مؤخراً، وراهناً، أبو خطاب الكردي الإرهابي الكردي الأعتى والقائد العسكري الميداني المسئول عن التعزيزات المرسلة من منبج وجرابلس ومحاصرة كوباني، وبتكليف رسمي من قائد العمليات الداعشية في المنطقة أبو بكر الشيشاني…
نعم، من المؤلم حقاً أن نجد هذا الكم المخيف من الدواعش الكرد في صفوف داعش الإرهابي، لكن علينا أن نتمالك أنفسنا ككرد ونحن في مواجهة هذا الانتشار المشهود لهم، ومن الجهات الجغرافية الكردية ذات المفارقة قبل كل شيء: أن تكون أكثر تمسكاً بكرديتها، وإذا بها أشد تطاولاً على كرديتها أو بني جلدتها الكرد، كما الحال في منطقة ” حلبجه ” هذه التي تمد الدواعشيين بأعداد لها خطورتها، إنما لها دلالتها أيضاً في الجاري، أي باعتبارها ظاهرة، كما في حال ” أبو خطاب الكردي ” الحلبجاوي  السالف الذكر.
للضرورة المعرفية والبحثية إذاً: لا تكفي الشعارات ولا حالات التنديدات تنفيساً عن غضب معين، أو تعبيراً عن رفض شعبوي لهؤلاء الجهاديين الكرد ” والعبارة مكتوبة لتأكيد خطورتها وكونها مؤثرة في الساحة الكردية ! “، وفي الوقت نفسه، تأكيداً لاشعورياً، على عدم الاعتراف بهم، كما لو أنهم غير موجودين وليسوا كرداً، وهي مفارقة أخرى من بين المفارقات ذات الصلة بالوعي السياسي الكردي قبل كل شيء.
إذ إن ظهور أي فرد كردي وهو ينتمي إلى تنظيم جهادي ” إسلامي ” أو ينبري مواطن إسلام أكثر، يماثل ظهور خطورة عدوى مرعبة من نمط ” إيبولا ” وأكثر أحياناً، لأن مرض الإيبولا يفتك بصاحبه ويتهدد الآخرين، أما الجهادي الأعتى: الداعشي فهو متدرب لأن ينال من أي كان، ولا بد أن طريقة تدريبه قد وجَّهته في المجمل إلى بني جلدته، فهو أعرف بهم، وأدرى بأمورهم، و: بكيفية إيلامهم وإرهابهم أكثر.
في المثال الدال على إرهاب داعشي كرديّ العلامة، أي أبو خطاب الكردي، وكما قرأت عنه حديثاً جداً ” وهو ضمن المقال المرفق بمقالي والذي نشِر في صحيفة ” القدس العربي اللندنية، بتاريخ 11 تشرين الأول 2014 “، ثمة ما يتطلب تكثيفاً في الوعي والاهتمام وليس مجرد الظهور في نشرة إعلامية ومقابلة إعلامية للإستهلاك المحلي، إذ إن ظهور أمثال أبو خطاب الكردي والمنتمي إلى بيئة حلبجه ذات التأريخ المأساوي ينطوي على مفارقة الزمان والمكان، بقدر ما يدعو إلى كيفية ظهوره بأسبابه الاجتماعية والنفسية والثقافية والسياسية، ولا بد أن أولي الأمر الكرد على أتم وعي معين إزاء هذا التنامي في الحشد الكردي ذي التوجهات الإسلامية وهو لا يخفي ليس اهتمامه بما هو جهادي إسلامي فحسب، إنما بما هو داعشي وما يرادفه كذلك، وإنما أكثر مما تقدم، وهو لا يخفي موقفه المعارض وبشكل لافت ومخيف لطريقة تداول السلطة في إقليم كردستان قبل كل شيء، إلى جانب الموقف من خاصية القومية وجملة الشعارات التي تصلنا بكل ما هو كردي في الجهات الكردستانية، وكما الحال في التنظيمات الإسلامية في سوريا ” من ضمن المفارقات التي تدعو إلى المساءلة، وكما هو وارد في المقال المذكور، أن ابن عم المناضل الكردي الراحل مشعل تمو قائد ميداني ومنخرط في مجموعة جهادية معارضة في الجيش الحر، ولا غرابة في ذلك ، إذ ثمة انتشار ملحوظ لأكراد مشكلي مجموعات معارضة مسلحة في سوريا، ولكل منها هواها أو طريقة تعبيرها عن رفضها ليس للقائم في سوريا، وإنما لنسبها الكردي من منظور يساري أو قومي، وتتلمس في الإسلام حضوراً أكبر لها، والاختلافات القائمة لها صلة ببيئاتها وثقافتها والجهات الداعمة لها في كل من دمشق وحلب وحماة وعفرين والجزيرة السوريا العليا ” روجآفا “، ومن ثم تكون في ظهورها على تماس مباشر بعدم قدرة الأحزاب الكردية في تاريخها الطويل على تحقيق ما كانت تنشده في بناء الشخصية الكردية الفاعلة، أي ما يصلنا بفساد محتواها أو نخره ، وهذا يحفّزنا ليس إلى التنكر لها أو إعلان الحرب عليها، لأن ثمة قاعدة شعبية لا يستهان بها تتواصل معها بقدر ما تتنامى وعياً حتى للانضمام إليها، وما يجري في إقليم كردستان العراق، وما ألاحظه كشاهد عيان من مظاهر في الهيئات” الزي واللحية ، قبل كل شيء “، حيث أقيم في الإقليم، يفصح عن وجود ظاهرة فعلية، هي ظاهرة تنامي التنظيمات الجهادية الإسلامية، أو مع تنامي خلاياها النائمة وهي تفصح عن نفسها كثيراً من خلال تداول ثقافة لافتة ومجالس خاصة وامتلاء الجوامع بها من العلامات المميّزة لذلك، دون إغفال ما يجري في تركيا ” لنتذكر أن أردوغان ما كان له أن يصبح في موقعه المعلوم الآن: رئيس الجمهورية التركية لولاهم “، وفي إيران، وفي أمكنة مختلفة يتواجد فيها الكرد، وربما في مجمل الحركات التي شهدها التاريخ الكردي: معارضة وثائرة ومنتفضة بطبيعتها وما كان يتهددها في المتن وفي الجوار في سياق إسلامي….، وكل ذلك يتحدى المعني بهؤلاء الذين يهتمون بما هو ديني وما هو جهادي ومن نمط متطرف وإرهابي، من الكرد وخصوصاً راهناً حيث يشهد الكرد اليوم تهديداً لوجودهم القومي بشكل غير مسبوق، لنكون إزاء عدة جبهات، حدودية وخارجية وداخلية، ومن المؤسف أن هناك تهميشاً لهم، أو حتى استخفافاً بهم، من خلال تعليقات أو ما يشبه التحليلات المرتجلة والمتحفظة والمتخوفة أيضاً، بينما الواقع يتطلب تركيزاً على وجودهم ليس بوصفهم خارجين عن الصف الكردي ومغرَّر بهم مباشرة، وإنما لهم مواقفهم التي يجب أن تراعى وتُدرس ومن منظور تأهيلي، إلى جانب إعادة النظر فيما هو قائم على المستوى السياسي والثقافي، أي ما يخص جملة السياسات المعتمدة في إدارة المجتمع: التربوية والثقافية والدينية والإعلامية والاقتصادية والتاريخية، وإلا فمن حقنا أن نتساءل عن ” السر ” الذي يحرض الكردي على مجابهة نظيره الكردي، لا بل ويسعى إلى القضاء عليه وبطريقة بشعة وبتكليف من عدوه القومي أو خصمه أو من يريده أداة له سواء أكان من نوع الزرقاوي، أو أبو بكر البغدادي العربيين أو أبو بكر الشيشاني ” الشيشاني “، أو من لم يُفصَح عنهم بأسمائهم بعد .
لا بد من كتابة تاريخ التنظيمات الجهادية الكردية أو التاريخ الكردي الذي يركَّز فيه على ما هو ديني جماعياً، وما هو فردي في السياق الديني الإسلامي أو المضاد بنسبة ما لما هو كردي وفي صف الآخر، أيضاً بنسبه الآخر والمعتد به: إسلامي معين، أو قومي مغاير، وأترك النظر في هذه الأسماء لأهل الفطنة لا البطنة من أولي أمر الكرد: عبدالرحمن الكواكبي، أبو الهدى الصيادي، النورسي، محمد كرد علي، ضياء كو آلب، محمد سعيد رمضان البوطي….الخ.
======
رابط المقال المأخوذ من صحيفة ” القدس العربي “:

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…