«روابط قرى» كردية

صلاح بدرالدين

مع نهاية سبعينات القرن الماضي وبعد أن ثبتت منظمة التحرير الفلسطينية أقدامها على الصعيدين الوطني والدولي كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني والمعبر عن أهدافه وطموحاته والتي نالت اعترافا دوليا واسعا بسبب نهجها الواضح في حل القضية الفلسطينية عبر الحوار السلمي بدأت إسرائيل بمحاولة حثيثة لايجاد قيادة فلسطينية في الداخل بديلة عن المنظمة تأتمر بتوجيهاتها وتسير منقادة حسب مصالحها وتمخضت محاولاتها في العام 1981 عن مشروع روابط القرى تحت عنوان ” الإدارة المدنية ” لتزيين السيطرة العسكرية الاسرائلية على مناطق الضفة الغربية وغزة وتغطية الوجه القبيح للحاكم العسكري من جهة والانفلات من الضغوط الدولية وموقف المنظمة المحرج لها في السير بالمسيرة السلمية الى نهايتها والتي تتطلب كخطوة أولى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية .
  مشروع أو مخطط ” الإدارة المدنية ” الفلسطينية هذا ورغم اسناده من سلطات الاحتلال بكل الوسائل المادية والمعنوية والعسكرية كان أشبه بفقاعة صابون عندما سقط الى الأبد في أول انتخابات بلدية حرة حيث نجح ممثلو منظمة التحرير واكتسحوا كل المقاعد .

     مقارنة بين ” الإدارة المدنية ” في فلسطين قبل نحو ثلاثة عقود وبين ” الإدارة المدنية الذاتية ” التي تتنفذ خطواتها منذ حين في بعض المناطق الكردية السورية تظهر كما من المشتركات الرئيسية من أبرزها :
 1 – بعد اندلاع الانتفاضة الوطنية السورية وشمولها لكل المحافظات والمناطق بمافيها المناطق الكردية وكل أماكن التواجد الكردي من حلب الى دمشق العاصمة وبعد المشاركة الفاعلة من الشباب الكردي وتنسيقياته وكل الطيف الوطني على أمل تحقيق أهداف الثورة في اجراء التغيير الديموقراطي واسقاط نظام الاستبداد وإعادة بناء الدولة الوطنية الديموقراطية التعددية الكفيلة بإيجاد الحلول لمختلف المسائل وبينها القضية الكردية تحركت السلطات الحاكمة باتخاذ إجراءات احترازية ووضع خطط بديلة متعددة لمواجهة الثورة أولا وتحييد المكونات غير العربية وغير المسلمة كل حسب أوضاعه ( استراتيجية استثمار الأقليات حسب منطق وتسمية النظام ) والتي باتت معروفة ومفضوحة .
  2 – بعد الانحياز العام للكرد الى صفوف الثورة وبعد ظهور القيادات الشبابية الكردية من الجيل الجديد وأدائها المقبول في تنظيم التظاهرات الاحتجاجية كنوع من المشاركة في الثورة وبعد أن تحولت الى مركز استقطاب ليس في الشارع فحسب بل من لدن الطيف الوطني الكردي عموما كقيادة كردية واعدة وفاعلة بديلة للقيادات الحزبية التقليدية شعرت السلطة بأن المناطق الكردية لم تعد مضمونة لها بل ستتحول الى مناطق محررة تتداخل وتتعاون مع المناطق المحررة الأخرى التي يقودها الجيش الحر والحراك الثوري فوضعت على الفور الخطط الكفيلة لسد الطريق أمام الاحتمالات المقلقة لها وعملت في خطين متكاملين خط مجموع الأحزاب الكردية السورية الستة عشر وخط حزب العمال الكردستاني – التركي ووليده – ب ي د – ثم المسميات الأخرى لاحقا .
 3 – بعد حوالي العام من الاختبارات والمداخلات الإقليمية وخاصة ايران والسيد رئيس العراق وقع الرهان على – ب ك ك – المؤهل أكثر لتنفيذ – المهام القذرة – بعد عملية المصالحة بين الأصدقاء القدامى حيث فرق الدهر بينهم الى حين وأنيط به مهمة السيطرة بواسطة عملية التسليم والاستلام على بعض المعابر الحدودية المشتركة مع تركيا وإقليم كردستان والعراق ومجمل المناطق الكردية ومن بينها المرافق الحيوية مثل حقول نفط رميلان ومطار القامشلي كل ذلك بتواجد إدارات النظام الأمنية والعسكرية وباشراف غرفة عمليات خاصة يديرها ضباط وخبراء من أجهزة السلطة وايران وفي واقع الأمر واذا كانت سلطة الاحتلال الاسرائلي للأراضي الفلسطينية كانت تقاد عسكريا عند اعلان روابط القرى بموجب قوانين حالة الطوارئ فان المناطق الكردية تعاني منذ سيطرة حزب البعث على السلطة من أحكام عرفية وقوانين استثنائية وإدارة أمنية حقيقية .
 4 – لاتختلف خطوة اعلان ” الإدارة الذاتية ” في بعض المناطق الكردية عن مثيلتها الفلسطينية قبل ثلاثة عقود من جهة اشراف الحاكم ورضاه وتخويف المواطنين بقطع الأعناق والأرزاق وتجاهل الإرادة الشعبية والرأي العام القومي والانقلاب القسري على القيادة الشبابية التي أفرزتها الثورة والمتطلبات الوطنية الكردية وتجاهل تواجد العشرات من الأحزاب رغم هزالها واستغلال الظروف الاستثنائية للبلاد التي تعيش ظروف الثورة وتداعياتها من معاناة ودمار وتقتيل وتهجير لقد أرادت إسرائيل أن تجعل من الإدارة المدنية لروابط القرى كأمر واقع رغم إرادة الفلسطينيين وممثليهم الشرعيين والأمر يتكرر الآن بمحاولات نظام الأسد في تحويل إدارة – ب ي د – ذلك الوليد القزم الممسوخ  كأمر واقع بديل لحق الكرد في تقرير مصيرهم بالتوافق مع شركائهم العرب والمكونات الأخرى وبضمانة الدستور الجديد في اطار سوريا الديموقراطية التعددية الموحدة المنشودة .
 5 – قامت إدارة روابط القرى الفلسطينية من خلال هيئات وجماعات وأفراد من الموالين لسلطة الاحتلال وضمت العديد من الناس الوطنيين البسطاء وتقوم الإدارة الذاتية في مناطقنا عبر جماعات موالية لنظام الاستبداد بقرار سياسي وتضم طيفا من الوطنيين الشرفاء المغلوبين على أمرهم .

  بسقوط نظام الاستبداد عاجلا أم آجلا وبتحقيق إرادة الكرد لمصيرهم السياسي والإداري في أجواء الحرية بسوريا الجديدة ستزول آثار الاستبداد واداراتها ومؤسساتها في كل مكان وبينها مشاريعها القديمة والحديثة في المناطق الكردية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…

أوجه شكري بداية إلى كل من أشرفوا على إدارة ” المؤتمر الأول لفيدراسيون الكتّاب الكوردستانيين في المهجر” الدياسبورا “في ” 25 تموز 2026 ” وممَّن حضروا المؤتمر من الزملاء الكتاب والمعنيين بقضية الثقافة ودورها الفاعل في بناء المجتمع، وتنوير قضيتهم للعالم، وأسهموا في دفع عجلته الثقافية إلى الأمام بنتائجه، وفي السياق، أوجّه شكري إلى اللجنة التي اختارت أسماء كتّابها الكرد…