«غليون» يستكمل هروب «اللبواني»

صلاح بدرالدين

  رغم مسارها المتعثر تمنحنا الثورة السورية بين الحين والآخر وبفضل التضحيات الجسام فسحة لتلقي دروس ثمينة في مختلف جوانب الكفاح الوطني ضد الاستبداد فعلى ضوء خط سيرها المتعرج وحجم التحديات الماثلة أمامها وافرازات تجربتها الخاصة وتعقيدات القضية السورية في جوانبها الوطنية والإقليمية والدولية عموما يمكن للمتابع أن يستجمع عناوين بارزة لتأريخ انطلاقة الانتفاضة الثورية قبل أكثر من ثلاثة أعوام ومقدماتها السابقة في أداء الحركة الوطنية السورية منذ مواجهة الانتداب وابان حقبة الاستقلال وانتهاء بعهود المنظومات الأمنية المتسلطة في سلسلة متواصلة ومن ثم استدلال دروب وخفايا الوقائع السياسية والعسكرية المرافقة للثورة والمؤثرة فيها سلبا أو إيجابا الى يومنا هذا.

 قد يكون مبكرا استخلاص جميع الدروس والعبر ونحن لم نزل في بداية المرحلة الأولى من الثورة – مرحلة انجاز اسقاط الاستبداد – ولم نتفرغ بعد لمهام إعادة بناء سوريا الجديدة التي يطمح اليها السورييون ولكننا قد نفلح وبمراجعة سريعة في تشخيص بعض الاستخلاصات والنتائج ومن أبرزها استثمار النظام وأعوانه ضعف وهزالة – المعارضات – ذات الجذور التقليدية البالية والنفاذ من جوانب ضعفها باتجاه الاختراق العميق لأمن الثورة وتسجيل تقدم في بعض المعارك العسكرية وسقوط زعم (الائتلاف الخارج من رحم المجلس بعملية قيطرية) بتمثيل الثورة بل تحوله عقبة كأداء أمام وحدة فصائل قوى الثورة وخصوصا تشكيلات الجيش الحر وضرورات إعادة هيكلة هذا الجيش بما في ذلك العمل على إيجاد هيئة سياسية كفوءة تكمل ثورة الداخل وتعبر عنها أمام المحافل الخارجية بمعزل عن تدخل جماعات المجلس والائتلاف الحاملة للأجندات الخارجية وخاصة الاخوان المسلمون وبعض الفئات والتيارات والشخصيات التي تمظهرت بالثوب القوموي والليبرالي وتاجرت بدماء الشهداء حتى الثمالة والمنتظرة منها اما الرحيل والاعتذار للشعب أو تقديمها لمحاكم الثوار .

 من جملة المشاهد السلبية التي أفرزتها الثورة في نهاية عامها الثالث ظاهرة الانسلاخ عن نهجها التاريخي الأصيل واللجوء الى أقصر وأسهل الطرق وهو الهروب اما الى الأمام أو الوراء من جانب تيارات وأفراد يفتقرون الى النفس الطويل في تحمل الصعاب والفهم السليم لمعادلة الثورة وقوانينها ويعجزون عن تفسير أسباب الأزمة وإيجاد سبل حلها كما يفتقرون الى أدنى درجة الشجاعة الأدبية في نقد الذات والاعتراف بالفشل والاخفاق .
 من الطبيعي أن يتصدر – الائتلاف – في افراز تلك الظواهر النشاذ كسليل – للمجلس الكسيح – أولا وعنوان للفشل الذريع قبل – جنيف2 – وخلاله والهزيمة مابعده أما وجها ظاهرة الهروب فيتمثلان في عضوي الائتلاف (اللبواني وغليون) حينما دعا الأول – كعملية هروب الى الوراء – الى ابرام الصفقة التاريخية مع إسرائيل وبالنقيض من كل المواقف العربية الرسمية والشعبية السائدة التي تعتبرها العدو الأول وذلك لتغيير موقفها لصالح القضية السورية باعتبار أن موقف الدولة العبرية من الأزمة السورية يشكل المفتاح لتعديل سياسات الغرب عموما وأمريكا على وجه الخصوص والمأخذ الرئيسي على تبعات هذا الهروب التراجعي هو الاستمرار في ارتهان القضية السورية للعوامل الخارجية وتناسي السياسة الإسرائيلية المعادية لحرية الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بحيث أن قضية الحرية لاتتجزأ.
  أما هروب الثاني فكان نحو الأمام عندما تجنب تناول الحالة السورية وذهب بعيدا ودعا الى: ” عدم تغيير التحالفات الاستراتيجية العميقة وتهديم المباديء الكبرى التي قامت من حولها الفكرة العربية، أي وحدة الثقافة والهوية والمصير التي تطمح الشعوب العربية أن تؤسس عليها مشروع التعاون والتضامن والتكامل بين الدول العربية كقاعدة للنهضة والأمن والاستقرار والازدهار. في هذه الحالة ستكون أوهام (اللبواني) مصدر إلهام لسياسات لا تخون حقيقة سورية ولا تشكل جريمة بحق المعارضة فحسب، وإنما تعمل على تقويض المشرق العربي برمته ” والملاحظة السريعة على هذا الهروب الصاروخي الى أمام الأمام هي التهرب من الواقع واستحضار مفردات عفى عليها الزمن واجتياز الحقيقة الوطنية للثورة السورية بماهي تعبير عن مكونات قومية واجتماعية وثقافية متعددة ومتمايزة ومحاولة يائسة في منافسة الخطاب القوموي الممانع لحزب البعث الحاكم .

 أتمنى على عضوي الائتلاف (الهاربين) اقلاعا وهبوطا العودة الى الواقع ومعالجة فشل وسقوط – ائتلافهما – قبل تناول القضايا الأخرى فالسورييون بتاريخهم القديم والحديث ليسوا بحاجة الى شهادات مطعونة فيها والاعتراف بالهزيمة علنا ومحاسبة الذات وتقديم الاعتذار لقوى الثورة والجيش الحر أولا وللشعب السوري أولا وآخرا وبذلك فقط سيقدمان خدمة الى السوريين وقضايا الحرية والسلام في كل مكان .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…