ممارسات حزب العمال الكوردستاني الرعناء والخرقاء في كوردستان تركيا وإنعكاساتها على الشعب الكوردي

بقلم : جمال حمي
من المعلوم ، أن السياسة والإقتصاد ، هما متلازمان متلاصقان كالتوأم السيامي ، ولايمكن الفصل بينهما ، فلاتوجد سياسة بلا إقتصاد ، ولا يوجد إقتصاد بدون سياسة ، وهذا من البديهيات المعروفة في كل زمانٍ ومكان ، فالسياسة هي إدارة شؤون الناس بحكمة وعقلانية وتدبّر ، والإقتصاد هو لتلبية إحتياجات المجتمع وتأمين الموارد .
شهدت المدن والقرى الكوردية في كوردستان تركيا ، نهضة عمرانية واسعة وإزدهاراً إقتصادياً كبيراً ، منذ تولي رجب طيب أردوغان ، رئاسة الوزراء في تركيا ، وذلك بسبب سياساته المرنة والمنفتحة على عموم الشعب التركي بما فيهم الكورد ، حيث كانت المدن الكوردية مهمّشة وشبه منكوبة تفتقر إلى أبسط الخدمات ، وذلك بسبب ممارسات الحكومات العلمانية والعسكرية الشوفينية التي سبقت حكم أردوغان .
لكن في عهد أردوغان تغّير كل شيئ في المدن الكوردية ، فقد سمح لهم بفتح مدارس خاصة لتعلّم اللغة الكوردية كما سمح بإنشاء محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية ، كما بنى في مدنهم المدارس والجامعات والمستشفيات والمطارات وكافة الخدمات الموجودة في كبريات المدن التركية كأنقرة وإسطنبول وغيرها ، كما سمح لهم بالمشاركة في جميع مناحي الحياة ، الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية ، وسمح لهم بدخول البرلمان ولأول مرة في تاريخ تركيا الكمالية .
قبل سنتان كنت في إسطنبول والتقيت مع أحد رجال الأعمال من الكورد ، لديه تجارة كبيرة يديرها هناك ، وأخبرني عن أوضاع الكورد قبل مجيئ أردوغان وفي زمن العلمانيين والعسكر ، فقال : قبل سنوات كان الكورد يعملون في إسطنبول خفيةً ، ولم يجرؤ أحد أن يقول أنا كوردي ، لأنه كان يتعرض للضرب ولم يكن ليقبل الأتراك توظيفه أصلا ، ولم يكن يجرؤ كوردي واحد أن يفتح محلا له في إسطنبول ولا غيرها من المدن التركية الكبيرة ، فكان الأتراك يتهجمون عليه ويغلقون متجره !
أما بعد مجيئ أردوغان ، فقد تغيّر كل شيئ ، وإستطاع الكورد تولي أرفع المناصب في الدولة والوزارات وفي المؤسسة العسكرية ، وباتوا يشكلون ثقل إقتصادي مهم في إسطنبول وغيرها ، ومعظم أصحاب المصانع والمعامل والمولات التجارية والمرافق الإقتصادية الهامة في البلد هم من الكورد ، فبتنا نرى اليوم أن العامل التركي يعمل لدى الكوردي ويقف له بإستعداد ويقول له تمام أفنديم .
فالكورد كانوا يمشون بخطى ثابتة وسريعة على الصعيدين السياسي والإقتصادي في تركيا ، فأصبح لديهم كتلة برلمانية لا يمكن تجاوزها ، كما أنهم أصبحوا قوة إقتصادية قوية لايمكن تجاوزها ، فلو كان هنالك تنسيق وتفاهم مابين الفعاليات الإقتصادية الكوردية في تركيا مع الكتلة البرلمانية الكوردية التي يرأسها صلاح الدين ديمرطاش رئيس حزب الشعوب الديموقراطي ، ودمجوا السياسة بالإقتصاد لكانوا الآن قوة لا يمكن تجاوزهم ، ولفرضوا الأجندة التي تخدم مصالح الشعب الكوردي على الدولة التركية ، لاسيما أن أردوغان حاول أن يعقد إتفاق شراكة مع الكتلة الكوردية في البرلمان لتشكيل حكومة موحدة ، قوية وقادرة على تغيير الدستور بمايخدم مصالح الشعب الكوردي ويحقق أهدافه وحقوقه .
لكن الآوامر جاءت من طهران عبر قنديل بمقاطعة أردوغان ومعاداته والدخول في حلف الشوفينيين الأتراك والعلمانيين ، بالفعل تحالف صلاح الدين ديمرطاش مع chp حزب الشعب التركي ، الذي أسسه كمال أتاتورك والذي إرتكب أفظع الجرائم بحق الشعب الكوردي ، وهذه إحدى حماقات حزب العمال الكوردستاني الكبيرة بحق الشعب الكوردي ، لأنه فوّت عليهم الفرصة وتسبب بممارساته غير الأخلاقية وغير الإنسانية بتدمير المدن الكوردية وتسوية الكثير منها بالأرض من خلال إستدراج الجيش التركي لحرب غير متكافئة وغير عادلة ، وأعادهم إلى نقطة الصفر والبداية ، وثبت لنا بأن هذا الحزب لايكترث بمصالح الشعب الكوردي السياسية والإقتصادية ، وجلّ همه هو تنفيذ آوامر أسياده في طهران وتدمير كل أشكال الحياة في كوردستان .
نقطة أخيرة أختم بها 
لاحل عسكري للقضية الكوردية في تركيا في قناعتي ، وليس أمام الكورد إلا السياسة والإقتصاد ، فمن يملك الإقتصاد يملك السياسة ويفرض شروطه وأجندته على الآخرين ، فهذا ليس زمن تشي غيفارا ولا فيدل كاسترو ، وليس زمن المقاومات التقليدية ، فليترك حزب العمال هذه الأوهام ، لأننا نعيش في زمن الإقتصاد ، فمن يملك الإقتصاد والمال يركع له الجميع ، فلا يمكن للبندقية الروسية الصدئة أن تواجه ترسانة الأسلحة التركية ، فتركيا اليوم تصنع الطائرات والغواصات والبارجات وناقلات الطائرات ، فليحقنوا دماء شبابنا الكورد اليوم ، لأنهم لا يصلحون للسياسة ولا للإقتصاد ، لأنهم فاشلون ومفلسون أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً ، وليس لديهم مشروع حقيقي سوى تدمير الكورد والقضاء على قضيتهم ، وهذه نصيحتي لهم ، أرجو أن ينقلها أحدهم إليهم في جبال قنديل ، ودمتم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…