الضربة الأمريكية ورسائلها المتعددة

أحمــــد قاســـــــم

 في البداية لايمكن أن نتردد في المطالبة بتدخل دولي تحت المظلة الدولية ( وذلك عسكرياً ) كون النظام ومن معه لايفهمون القرارات الدولية, حتى تلك التي تمنع إستعمال الأسلحة الكيماوية في الحروب والتي يعتبرها المجتمع الدولي أنها أسلحة الدمار الشامل, والتي تستهدف المدنيين والأبرياء وسط حروب بين المتنازعين.
 ولطالما أن روسيا طرحت نفسها على أنها حامية ( لنظام يتفنن في القتل والإبادة والتدمير ضد معارضيه وبكل أنواع الأسلحة ) وهي تمتلك حق النقض في المجلس الأمن, وتستعمل هذا الحق في وجه أي قرار من شأنه وقف النظام عند حدود يؤمن أمن وسلامة الأبرياء العزل من معارضيه.. 
وهذا ما أكدت روسيا طوال ستة سنوات من حرب مفتوحة من قبل النظام ضد شعبه, مع سماحه لتكون سوريا ساحة مفتوحة للإرهاب لإجبار المجتمع الدولي على غض النظر عن المجازر التي يقوم بها النظام ضد شعبه والتوجه إلى محاربة الإرهاب, مما تطيل من عمره من جهة, وجعل المعارضة التي تدافع عن الشعب بين مطرقة النظام وصندان الإرهاب. فإنها ( أي روسيا ) كبلت مجلس الأمن ووضعته في موقع العجز لردع النظام عن إرتكاب المزيد من الجرائم.. فكان لابد من أن تتحرك الجهات الداعمة للشعوب الأعزل من جانبها للبحث عن البديل ( أي بديل عن المجتع الدولي والأمم المتحدة ) لإنقاذ الموقف الذي بدوره ينقذ شعب بالكاملة من الإبادة.
عند إستعمال النظام الأسلحة الكيماوية في العام 20133 لقد اكتفت أمريكا بوضع يدها على السلاح الكيماوي الذي اعترف النظام بوجوده ضمن كمية محددة بدلاً من محاسبة النظام وتقديمه إلى محكمة الجنايات الدولية, مع تحذيره بعدم إستعمال تلك الأسلحة في المستقبل… إلا أن النظام لم تردعه أية قرارات لطالما أنه محمي من روسيا ( والفيتو ) الذي يحميه… هذا إلى جانب التحرك الدولي باتجاه البحث عن الحلول السياسية لهذه ” الأزمة ” التي عقدتها روسيا والتدخل الإيراني بشكل فج إلى جانب النظام لتمرير مشروعها الطائفي في المنطقة عبر الإستيلاء على سوريا ومقدرات شعبها.. ولكن مع الأسف الشديد وبعد خمسة جولات من اللقاءات في جنيف للبدء بالمفاوضات المباشرة بين المعارضة والنظام ( بإشراف دولي ), إلا أن وفد النظام في كل مرة يتهرب من المفاوضات المباشرة, ودائما, ” يشترط على أن تكون الأولوية لمحاربة الإرهاب ” متأكداً من أن الإرهاب سوف لن ينتهي لطالما هو أحد الأسلحة التي يعتمد عليها نظامه في دمشق.
 وبعد كل الكوارث التي لحقت بالشعب السوري ( من قتل وتدمير وتهجير ) والحل السياسي مفقود مع هذا النظام.. وبعد إقدام النظام على ارتكاب مجزرة خان شيخون بالكيماوي, والتي راحت ضحيتها العشرات من الشهداء نصفهم من الأطفال والنساء إلى جانب المئات من القتلى, كان لابد من تحريك دولي ” وخاصة بعد أن لوحت روسيا ( الفيتو ) في وجه مشروع لإدانة النظام في مجلس الأمن “, وعلى أثره تحرك دونالد ترامب الرئيس الأمريكي لإرسال رسالة إلى روسيا أولاً مفاده ” في حال فشل مجلس الإمن لإتخاذ قرار ضد النظام السوري سنتحرك بشكل منفرد لعمل ما هو رادع لهذا النظام المجرم “
 كل تلك, كانت كافية أن تتحرك أمريكا بشكل منفرد لتوجيه ضربة محددة للنظام. وأن أمريكا تبدو حسمت أمرها للدخول على الأزمة السورية على خطها الحامي بعد أن حاولت روسيا خطف الأزمة من جنيف إلى منطقة أخرى ( آستانة ) وجعلها بعيدة عن الفعل الأمريكي لتثبت بأنها الأقوى في إدارة الأزمة في سوريا.. وهذا أيضاً كان سبباً في استنفاذ صبر أمريكا على الفعل الروسي في سوريا.
 لذلك, أن الضربة الأمريكية تحمل العديد من الرسائل الموجهة دولياً وإقليمياً وداخلياً ( سورياً ).. موجهة أولاً لروسيا لتقول لها كفى أن تفسح المجال لنظام دمر بلده وأباد شعبه, فإن حق النقض الذي تملكينه لايسعف النظام إلى النهاية لطالما أمريكا هي سيدة العالم, وهي من تحمي العدالة على المستوى العالمي, كونها تشعر بمسؤولية تجاه العالم المضطهد.. وكذلك موجهة لإيران بمحتوى مغاير لتؤكد لها على أن عبثيتها بمقدرات ووجود الشعب السوري ستضعها في موقع الهدف لأمريكا, عليها أن تغير من لعبتها وتسحب عصاباتها من سوريا, وإلا ستكون هدفاً للضربات الأمريكية لطالما الرئيس الأمريكي أخذ على عاتقه القضاء على الإرهاب, وأن العصابات الإيرانية إلى جانب النظام ليست بريئة من الإرهاب المنظم… وكذلك الضربة موجهة إلى الدول الإقليمية لتراجع حساباتها بشكل آخر, وإلى الداخل السوري بشكل مزدوج ” إلى المعارضة والنظام معاً, على المعارضة أن تبتعد عن التطرف الإسلامي أولاً وتعلن عن مشروع سوريا المستقبل تقبلها كل مكونات الشعب السوري من خلال دستور يؤسس لدولة ديمقراطية يحافظ على حقوق الإسان والشرعية الدولية, وكذلك النظام عليه أن يفهم بأن صلاحياته قد انتهى, وما عليه إلا أن يتعامل مع الشرعية الدولية التي تحافظ على حقوق الإنسان وأن يستسلم لإرادة شعبه”
 مما تقدم, نؤكد على أن الأزمة في سوريا لن تحل, والحرية التي يطالب بها الشعب السوري لن يتحقق إلا بتدخل دولي إلى جانب شعب سوريا, وأن الضربة الأمريكية هي البداية الحقيقية لذلك التدخل.. يبقى أن تعي القوى الديمقراطية في سوريا ونخبها من كافة المكونات بمسؤولياتها التاريخية في هذه المرحلة الحساسة من حياة الشعب السوري, والتعامل مع الأحداث والتحولات الكبيرة بعيداً عن الشعارات وردود الأفعال.
——————
7/4/2017

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…