التاريخ الذي يعيد نفسه مراراً وتكراراً

ابراهيم محمود
يقال أن التاريخ يكرّر نفسه مرتين: مرة مأساة، وثانية مهزلة، ماذا لو تكرر ثالثة ورابعة و..و..و؟ ما الأبعد من المهزلة؟
يوم أمس” الاثنين، 25-9/2017 ” كان طويلاً طويلاً جداً للجميع للكرد في إقليم كردستان العراق في استفتائهم على الاستقلال، وكيف يمكنهم الانتهاء منه بسلامة،وطويلاً وكارثياً قبل حصول أي شيء للذين تقاسموه شعباً وأرضاً خارجاً. برز الكردي شيطاناً كونياً، مجمّع شرور: مستولدها وناشرها وراعيها، وكأن الذي يجري من فظائع في أي رقعة في العالم بدا هو المسئول عنها، عبر هستيريا جمعية، لم يعد فيها من تمييز للسياسي والمزعوم مفكراً ومثقفاً وعادياً، وإنما مشهديات قطيع هائج إجمالآ حتى على مستوى الميديا. الطغاة المتناسلون هم أنفسهم مع فارق التسمية حصراً.
لقد تابعت كغيري، هنا في الداخل، في دهوك ما كان يجري استفتائياً، وحالة الولولة، ليصح معنى أيلول السلب، حالة العويل والصراخ والاستفظاع عما يجري. ولعل من تابع مجريات جلسة النواب العراقي، يدرك حالة الاستنفار القصوى، وما يُرى ويُسمع من تعليقات و” تحليلات ” وتهديدات مباشرة من رموز فكر وثقافة لا حصر لهم تجاه هذا الحدث الخطير وكيفية التصدي له، وأعترف أنني لم أستطع متابعة وقائع الجلسة كاملة، إنما اكتفيت ببعض منها لرعب محتواها، من ذلك: دولة السرطان الكردية، محاسبة الخونة القادة الكرد، إلغاء اسم كردستان العراق، وتسميته بشمال العراق، اعتبار الجاري عملاً لا أخلاقياً، إعلان الحرب المقدسة على هؤلاء الجناة، الدعوة إلى استقطاب عالمي، إسلامي، إقليمي، والسعي بأقصى سرعة للقضاء على هؤلاء” الجناة ” بمعنى: لو كان هناك إمكان لتصفية الكرد بالجملة ومحوهم من الوجود فليس في ذلك من ضير. كان التوتر الهيجاني الهستيري مسيطراً على الجلسة، وخارجاً، من تركيا إلى إيران، وفي دول كانت مدمنة على اعتبار الكرد دون أي مقام إنساني في هذا النسق الترويعي.
من محاسن الاستفتاء، الكشف عن هذه الأحقاد وأبعادها المريعة، عن جذورها التي لا تنقطع في وصلها عن كل الذين أسهموا ذات يوم في أعمال إبادات جماعية، وهم يسكرون لمرى ضحاياهم يموتون بالجملة هنا وهناك.
كما لو أن الأمس هو نفسه، وقد تلخصت فيه أسماء السفاكين والنهابين ودعاة تصفية الشعوب: الكرد في الواجهة. كان هناك نسيان، أو تناسي كل مشاهد العنف: القتل، الملاحقات المختلفة، الاقتتالات الطائفية، الانتحاريات، مشهديات سفك الدماء دون حسبان، التهديدات الجانبية، الجماعات المسلحة باسم وتلك الغفل من الاسم في العراق ” بدءاً من عاصمة الرشيد التي فقدت رشدها، أو لعلها لم تبلغ سن الرشد الفعلية مذ كانت “، وانتهاء بكل بقعة يقيم فيها من يعتبر الكردي أساس الشرور، أي شيطانياً، أي ما يجرّده من إسلامه الذي لم صنعته.
القليل القليل من الأصوات كان يدعو إلى التهدئة، إلى ضبط النفس، سوى أن احتياطي العنف النفسي والثقافي والإيديولوجي كان فائق الوصف وأفصح جرّاء ضغط الأمس عن مكنونه أو مخزونه الإرهابي إجمالاً.
أعتقد أن ذلك من شأنه تنبيه حتى الكردي ممن تجاهل الاستفتاء، إلى لزوم التيقظ والقول بـ” بلى ” جرّاء ردود الأفعال المروعة هذه. ترى ماذا لو شرِع باستقلال فعلي؟ كيف ستكون ردود الأفعال ؟
ربما في بنية التداعيات تلك، فطنة ناطقة بألسنة هؤلاء، فحواها: أن هؤلاء الكرد في استفتائهم، أفصحوا عما هم متوجهون إليه، أي باعتبار الاستفتاء إعلاناً لبناء دولة، وما يترتب على ذلك من بلبلة في صفوفهم، من إعادة توزيع لخارطة سياسية في المنطقة ككل، حينها: أي عدو معتبَر سيواجهون؟ أي عدو سيوجهون إليه نزواتهم، وتفريغ شحنات أحقادهم فيه ؟
الاستفزازات، المناورات ” الكرتونية ” الطابع، ترجمة من نوع آخر: لوقائع ماضية، كما لو أن الزمن توقف عندها .
سيكونون هم العدو هذه المرة !
الأمس وما قبل الأمس، وما قبل قبله، كما لو أنه هو. المتغيّر الوحيد، هو الكردي وما قام به، وما أفصح عنه بكامل الوضوح والتعبير القويم والجليل عن إرادة حرية بوقف حد للابتزاز القومي، والهدر الإنساني له. هذه الفصاحة المرئية والمسموعة، أعتقدها كانت العلامة الفارقة كردستانياً، ولعلها أربكت أعتى وجه في أعدائه، لا بل وأفقده صوابه، كأني به كان يردد في نفسه: ما الذي يخفيه هذا” الشيطان “؟ ليظهر بمثل هذا التحدي ؟ من يسنده وهو لا يُسمَّى .
هل ستكون قيامة الكردي بداية نهاية لكل هؤلاء المسكونين بالكوارث والفظائع؟ ربما النظر في منعطفات التاريخ، في المنطقة: القريب والبعيد منها، سوف يظهِر أنها كثيراً ما تشهد تحولات نوعية على يد الكردي. فهل يفعلها مجدداً؟
دهوك
في 26-9-2017 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…