الثورة السورية ، الكرد في قفص الاتهام

فرحان مرعي
      

من المفارقات الغريبة وغير المفهومة وهو انه عندما كان النظام قويا ومتماسكاً ويقمع ويرهب المواطنين وفي وقت كان لا احد في سوريا يقدر على التعبير عن رأيه كان موقف الكرد اكثر قوة وجرأة وكسروا حاجز الخوف الذي كان عصياً على الشعب السوري وقاموا بالاحتجاجات والاعتصامات في دمشق والقامشلي في مناسبات عديدة حتى توجت هذه الاحتجاجات بانتفاضة قامشلي 2004 وحصل ما حصل ، وكان بعض الاحزاب في المقدمة مثل احزاب لجنة التنسيق ، ولكن ما ان استجدت حالة جديدة كبيرة وعميقة بكبر وعمق الثورة السورية السائدة وجدنا ان المشاركة الكردية ليست بالدرجة المطلوبة والمقبولة مما وضع الكرد وحركته السياسية في موضع الشك والريبة كما اصبحوا في موضع الاتهام من جانب المنتفضين والمعارضة في  المحافظات السورية المختلفة،
وللدلالة على هذا الكلام ولتشخيص الحالة واقعياً على الصعيد السياسي والاجتماعي نجد: ان بعض الاحزاب الكردية وقفت بصراحة ضد التظاهرات من خلال بياناتها وندواتها بينما الاخرى من الاحزاب دعت الى المساندة والدعم والمشاركة احياناً دون الاعلان عن مشاركتها اعلامياً والطرفين معروفين لدى الشعب الكردي ، اما على الصعيد الشعبي يبدو ان الاغلبية الشعبية استمرءت موقف الاحزاب المعارضة للتظاهرات او لم تعلن عن موقفها بشكل صريح وواضح ، ويشمل هؤلاء رجال الاعمال والمهنيين والمزارعين والعمال ، كما لم يبرز موقف الاطباء والمحامين والمثقفين ككتل مستقلة ومهمة وضاغطة بغض النظر عن دور الافراد من كل هذه الفئات ، وحتى هذه اللحظة ايضاً لم يصدر بيان من اية عشيرة وعائلة كردية في كل المناطق  تبرز انحيازها الى الثورة بشكل علني وواضح وميداني ، اما ما يجري الان من احتجاجات ومظاهرات في المناطق الكردية وخاصة في الجزيرة هي لمجموعات شبابية وثقافية مستقلة مع رموز قيادية معروفة من الاحزاب الكردية  مع التباين في حجم المظاهرات بين منطقة واخرى مثلاً: ان مدينة عامودا دخلت على خط التظاهرات بشكل قوي ومتميز والقامشلي بدرجة اقل قياساً على عدد سكانه، بينما المناطق الاخرى فمشاركتها متواضعة حيث لعبت فيها انصار حزب العمال الكردستاني (PYD) دوراً سلبياً عندما تمسكوا بشعاراتهم الخاصة بعيداً عن شعارات الثورة السورية، اما المناطق الكردية الاخرى في باقي المحافظات وخاصة في دمشق بقيت ساكتة باستثناء ركن الدين ، هذه اللوحة لاحداثيات التحرك الكردي يعطي انطباعات لنا وللاخرين: بان الكرد عبر ممثليهم اما متفقين مع النظام عبر وعود وتسويفات واللعب على وتر الاقليات التي يمكن ان تتهمش وتضطهد اذا نجحت الثورة حسب زعم السلطة السورية وهكذا بدا وكأن النظام نجح في تحييد الكرد وغيرهم من الاقليات، او ان الكرد يتحركون وفق اجندات ومحاور اقليمية ، او ان الكرد في سوريا لم ينضجوا بعد سياسياً لكي يدركوا ابعاد ما يجري في سوريا وما يمكن ان يحدث من تغييرات جوهرية يكون لصالح كل ابناء الشعب السوري .

اعتقد ان النظام وان استمر –لا سمح الله- لن يكون افضل مما سبق بل بالعكس سيصبح اكثر قمعاً وشراسة وظلماً وبالتالي ان المراهنة على اصلاحه مراهنة خاطئة وقاتلة، لذلك نرى ان اعادة الاعتبار للموقف الكوردي والدخول على الخط الساخن للثورة يتطلب اولاً ايجاد مركزية للقرار الكردي في الداخل والخارج عبر مؤتمر وطني او مجلس وطني يضم كافة الشرائح الكردية وعدم سلب القرار الكردي من قبل الاحزاب الكردية والدعوة الى الشعب الكردي في كل مناطقه وخاصة دمشق للتظاهر السلمي والديمقراطي وبالتنسيق مع تنسيقيات الثورة السورية في كل المحافظات ثم تقديم الورقة الكردية الى كافة الجهات والفعاليات الثورية من اجل حل عادل وديمقراطي للقضية الكردية وبيان الرؤية  لسوريا المستقبل، سوريا المدنية الديمقراطية الحرة، بهذا الشكل والتحرك -دون الادعاء بامتلاك كامل الحقيقة – يمكن ان نلحق بالركب المتقدم ولو متأخرين لاثبات الذات الكردية وفرضها ولتحقيق المصلحة القومية المشروعة وكذلك اثبات الذات الوطنية كجزء عريق من هذا الوطن لا عالة عليه او على هامشه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…