الراعي والدفاع عن النظام السوري

عبد الرحمن الراشد

بطريرك الطائفة المارونية بشارة الراعي لم يخدم النظام السوري، بل أضر بالمسيحيين في سوريا، وبصورتهم في العالم العربي، عندما سافر إلى باريس وأبلغ الفرنسيين قلقه من سقوط النظام السوري ووصول جماعة أصولية سنية إلى سدة الحكم.

فقد تلقف الخبر الجميع في المنطقة على أن بطريرك الموارنة يقوم بحملة للدفاع عن النظام السوري الذي يغرق في دماء مواطنيه، ويحرض ضد السنة في سوريا، ويريد من فرنسا الكاثوليكية، وهي لاعب رئيسي في محاصرة نظام الأسد، أن تقدم مخاوف المسيحيين السوريين واللبنانيين على دعوات إسقاط النظام بغض النظر عما يفعله في حق مواطنيه!
ولا أدري إن كان حرص البطريرك على سلامة رعيته يأتي من خلال وضعهم في مرمى الهدف بالدفاع عن نظام ساقط، أو بالاستنجاد بحمايتهم من نظام مفترض لا نرى له وجودا إلا في دعاية الإعلام الرسمي السوري الذي يخوف به العلويين والمسيحيين.
لا أحد سيقبل بنظام سني متطرف يستهدف أي فئة سورية، وسيحارَب من السنة كما حوربت الجماعات المتطرفة الأخرى وأُفشل وصولها إلى الحكم.
إن أكبر خرافة هي تلك التي تزعم أن النظام السوري ضمانة ضد التطرف الديني.

الحقيقة أن النظام السوري هو الذي شجع التطرف في السنين القلقة الماضية، لولاه لما وجد اليوم حزب الله واستمر، ولولاه لما عاشت حماس و«الجهاد الإسلامي» التي ترعرعت في دمشق، ولولاه ما استطاع تنظيم القاعدة السني المتطرف التجمع في الشام، والانطلاق عبر الحدود وارتكاب جرائمه المروعة في العراق التي راح ضحيتها، من سنة وشيعة ومسيحيين، عشرات الآلاف خلال السنوات السبع الماضية، بحجة محاربة الاحتلال الأميركي.

ولولا النظام السوري لما وجد الملالي في نظام إيران موطئ قدم في العالم العربي.

فكيف يقول الراعي إنه يخاف من نظام سني متطرف يصل إلى الحكم في دمشق؟ إن أكبر راع للحركات الإسلامية المتطرفة كان ولا يزال النظام السوري، والبراهين ماثلة أمام أعين الجميع.
ولا يفترض أن يغيب عن القيادات المسيحية أن حرص النظام السوري على استخدامهم في الدفاع عنه لن يفلح في إنقاذه، بل سيورطهم فقط.

لقد تجاوزت الأحداث إمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وبات النظام يريد أن يجر معه، وهو يغرق، كل من يستطيع الإمساك به.

وهذا ما يجعلنا نستغرب تورط رأس الكنيسة المارونية في الدفاع عن أسوأ نظام عرفته سوريا في تاريخها، نظام ولغ في دم المسيحيين والمسلمين في لبنان نفسه، بل إن هذا عبث سياسي خطير.

ولا نستطيع أن نقارن شخصية في مكانة البطريرك مع سياسي مثل سليمان فرنجية ملتصق بالنظام السوري، أو سياسي متقلب مثل الجنرال عون، لأن كليهما سيسارع فور سقوط النظام إلى التبرؤ منه والالتصاق بمن يخلفه، كأي سياسي آخر يتنقل بحسب مصالحه.

هل سيعود غدا الراعي ويتبرأ من أقواله ومن مشاركته في الدفاع عن النظام هناك؟ وماذا عن رعيته؟
وطالما أن البطريرك هو من يقول إن نهجه الصراحة والموضوعية، فإن الموضوعية تقتضي من القيادات المسيحية أن تشارك في الانتفاضة حتى تشارك في الكيفية التي تنتهي بها، وتشارك في صياغة مستقبل سوريا بدل أن تقف بعض هذه القيادات في الطرف الآخر من الشارع، إلى جانب النظام الذي لم يرتكب أخطاء جسيمة في ستة أشهر مضت فقط بل ارتكب أخطاء متسلسلة في أربعين عاما في حق السوريين وحق اللبنانيين بمن فيهم المسيحيون.
alrashed@asharqalawsat.com

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…

د. إسماعيل حصاف يفرض الواقع السوري المعاصر سؤالاً ملحاً على النخب والفعاليات الكردية: ما العمل وما المطلوب من الحركة الكردية اليوم؟ وكيف يمكن مواكبة التطورات المتسارعة والسيناريوهات القادمة لسوريا المستقبل؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد مدى الأهلية التاريخية لحمل ثقل القضية الكردية المزمنة في سوريا، وهي القضية التي مرت بمحطات معقدة بدءاً من تقسيم كردستان المركزية استعمارياً بناءً على…

محمد سعيد آلوجي بعد اختيار عددٍ من الشخصيات الكوردية لعضوية البرلمان السوري المؤقت، بات هذا الأمر واقعًا سياسيًا يستدعي التعامل معه بمسؤولية ووعي، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المسبقة. وسواء جاء هذا الاختيار بهدف تمثيل الكورد في سوريا، أم في إطار تعزيز الثقة بين الشعب الكوردي والسلطة الانتقالية، وترسيخ أسس الاستقرار والأمن في البلاد، فإن النتيجة تفرض علينا…