العراق والانتفاضة السورية

صلاح بدرالدين

  بعد أن نشرت وكالات الأنباء المحلية والعالمية نقلا عن وسائل الاعلام السورية خبر نقل مبعوث رئاسي عراقي خاص رسالة دعم وتأييد من رئيس جمهورية العراق الى نظيره السوري ” بالوقوف الى جانب خطواته الاصلاحية ” كما جاء في المصدر الأصلي – وكالة سانا –انتاب الشعب السوري وشباب انتفاضته السلمية شعور مشوب بالقلق والاستهجان وأعاد الى الذاكرة كل ماقيل وتردد من مصادر مطلعة متعددة في الأشهر الأخيرة حول موقف الحكومة العراقية (رئاسة مجلس الوزرار ورئاسة الجمهورية) المؤيد للنظام السوري في حربه الفعلية ضد شعبه خاصة وأنه لم يصدر أي نفي رسمي رئاسي حول الخبر المنشور في الاعلام السوري
 ومن غرائب الأمور في العرف الدبلوماسي العراقي تنطح مدير مكتب جريدة ” الشرق الأوسط ” في العراق المعروف بعلاقاته الخاصة جدا مع المسؤولين في محاولة – لتلطيف – الخبر وليس انكاره عندما كتب في جريدته : “المسؤول العراقي نقل رسالة من الرئيس طالباني يحث فيها نظيره السوري على إجراء إصلاحات حقيقية ” وكتب مراسل صحيفة – الحياة – من عمان تقريرا خبريا بعنوان : ” طهران توصي بغداد بتزويد دمشق 10 بلايين دولار ” جاء فيه : ” الأخبار الواردة من مكتبي رئيسي الجمهورية جلال طالباني والوزراء نوري المالكي، تفيد بأن تحركاً واسعاً بدأه الرجلان من أجل «تعميق العلاقات بين بغداد ودمشق» مع أن الأخيرة قمعت و«بوحشية» احتجاجات شعبية واسعة بدت في أحاديث واسعة لمسؤولين وسياسيين في بغداد وكأنها «صدى للتجربة الديموقراطية العراقية»، لكن تلك الأحاديث مالبثت أن تحولت إلى اصطفاف حكومي عراقي واسع مع «سورية الأسد»، تبلور منذ أوائل تموز (يوليو) الماضي حين استقبل المالكي وفداً اقتصادياً سورياً كبيراً وأعاد الكرّة ثانية قبل أيام، في ما أرسل الطالباني نائبه المستقيل والقيادي في «المجلس الإسلامي الأعلى» عادل عبد المهدي موفداً إلى الرئيس الأسد   ونقل إليه رسالة خاصة… المالكي كان جدّد للوفد الاقتصادي السوري «الكبير» ثقته بالنظام السوري وقيادة الرئيس بشار الأسد، وقال «نحن على ثقة بقدرة الشعب السوري الشقيق وقيادته على تجاوز التحديات التي تواجههم»، لافتاً إلى أن «استقرار المنطقة ككل مرتبط باستقرار سورية وأمنها … بعد ذلك اللقاء أكدت مصادر عراقية أن المالكي أمر مستشاره للأمن الوطني فالح الفياض بالاتصال مع مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الأمن في سورية محمد ناصيف (أبو وائل) عارضاً على دمشق «إبداء أقصى ما يمكن من مساعدة في أزمتها الحالية» المتمثلة باحتمالات خطر جدي يتعرض له نظام الأسد مع استمرار الاحتجاجات الواسعة ضده وتصاعد الضغط الدولي ..

الدور الإيراني في دفع العراق إلى الاصطفاف مع نظام دمشق يبدو جلياً في تصريحات نواب عراقيين أبلغوا «الحياة» أن «طهران نصحت بغداد باتخاذ جملة إجراءات من شأنها تسخير الإمكانيات العراقية لدعم الحكم السوري … اللافت أن الحكومة العراقية الحالية تسير بعكس نهج العراق الجديد المفترض مابعد الدكتاتورية بتشجيع التغييرات الديموقراطية، لا في موقفه المساند للنظام في سورية وحسب، بل في قمعه الشديد للمحتجين العراقيين..

” وحتى هذه اللحظة لم يصدر من الحكومة العراقية أي تعليق على مانشر مما يعني صحته واستناده الى معلومات أكيدة .

   رسالة اللفيف
  في هذا الوقت بالذات طالعتنا مواقع كردية ” رسالة لفيف من مثقفي كردستان العراق إلى قوى وفصائل وشباب غربي كردستان ” التي كانت بمثابة نوع من التقريع للحركة الكردية السورية مليئة بالوعظ والارشاد وكأنها صيغت خصيصا للتحذير من ألاعيب حكومة أردوغان (يا لهذا الاكتشاف العظيم !) وكأنها هي عدوة السوريين رقم واحد وليس نظام الأسد وكأن اقليم كردستان العراق كيان معاد لحكومة أنقرة ولايعتمد في خططه الانمائية الاستراتيجية على خبرات الجار التركي الذي تبلغ استثماراته في الاقليم أكثر من 12 مليار دولار وما أثار الاستغراب أكثر في تلك الرسالة هو زج اسرائيل في صف تركيا وأمريكا – الامبريالية – والغرب عموما في معاداة النظام السوري وتجاهل الموقف الاسرائيلي المعروف في تأييد ودعم نظام الأسد وممارسة الضغط على واشنطن لعدم التصعيد ضد دمشق أكثر انها الحقيقة العارية التي تعرفها المعارضة السورية من جانب آخر وكأن اللفيف نسي أننا ككرد سوريا (غرب كردستان) راقبنا عن كثب كل العلاقات والصلات التي تمت أمام أعين شعبنا من جانب قوى كردستانية (عراقية وتركية) خلال عقود مع نظام بلادنا البعثي العنصري المستبد وكنا وبدافع – كردايتينا – الصادقة نغض الطرف عنها ونعتبرها – ضرورات حياتية انسانية وتكتيكات سياسية – لأشقائنا الى درجة أن أحدى تلك الفصائل المعروفة التي قد تكون رسالتكم صيغت بعلمها تحولت الى جانب السلطة وكادت تصبح جزءا من أدواتها السياسية ضد مناضلينا وطالبت علنا برحيل شعبنا نحو وطنه في الشمال تناغما مع آيديولوجية الحزب الحاكم بانكار وجود الكرد كشعب وأرض وقضية كثمن مشروط لقاء الاقامة والحركة والحماية والدعم والآن جئتم لتحاسبونا على مؤتمرات سورية معلنة ومنقولة على الهواء وبدون أجندة سرية معارضة وليست كردية صرفة عقدت في تركيا ولنا هناك الآلاف من المشردين الهاربين من ارهاب الدولة السورية كما كان لكم هناك عشرات الآلاف يوما ما ولنا معها حدود مشتركة تبلغ أكثر من ثمانمائة كم فهل هذا من العدل أيها الأشقاء تحرمون علينا ما تقومون به أنتم ونحن من كل ذلك براء ؟ وفي الوقت الذي نقدم فيه شكرنا لذلك اللفيف وبينهم مثقفون لايشق لهم غبار نسجل ومن باب الأخوة ملاحظتين: الأولى – كان الأولى باللفيف أن يتوجه الى رئيسه الكردي (رئيس جمهورية العراق) لحمله على تصحيح موقفه الداعم لرأس نظام الاستبداد في سوريا أو على الأقل مساءلته حول اللغط الحاصل من حول دوره في القضية السورية في دائرتيه الكردية والرسمية والتي كتب عنها الكثير والأمر نفسه ينطبق على موقف الحكومة الفدرالية – حكومتكم – في بغداد .

الثانية – من الواجب أن يتوجه اللفيف الى حزب الاتحاد الديموقراطي – ب ي د – من أجل الالتزام بدعم الانتفاضة السورية وتنسيقيات الشباب الكرد وعدم زرع العراقيل أمامها وتحذيره من الاقدام على أية خطوة قد تساعد أجندة السلطة الرامية الى اختراق الصف الكردي ودب الفرقة والانقسام والمواجهات في الساحة الوطنية الكردية فنظام الأسد كما النظام التركي لايؤتمن له جانب أما مجالات الدعم الأخوي للانتفاضة السورية عامة وجزئها الكردي خصوصا فلا تحتاج الى تفصيل وتعريف لأنكم عانيتم قبلنا وانتفضتم على الطغاة قبل الآخرين وعايشتم مثل هذه الحالات وتعلمون جيدا ماهو المطلوب في هذه المرحلة بالذات.

   الكرد السورييون وبالرغم من ظروفهم الاستثنائية ومشاركتهم في الانتفاضة السلمية ضد نظام الاستبداد في جميع مناطقهم فانهم حريصون على أمن وسلامة شعب اقليم كردستان وتجربته الوليدة الذي يتعرض منذ أكثر من اسبوعين الى عدوان عسكري ايراني لأسباب عنصرية وسياسية معروفة ذات صلة بمايجري في سوريا اضافة الى الأسباب الداخلية العراقية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…