حين تُدار القضية الكردية من إمرالي: قراءة في الدور التركي ومحاولة مصادرة الحقوق القومية لكرد سوريا

صلاح عمر

قلناها مرارًا، لا عن انفعالٍ عابر، بل عن قراءةٍ عميقة لتاريخ الصراع وموازين المصالح: إن النظام التركي لم يكن يومًا وسيكون أبدًا طرفًا محايدًا أو داعمًا لحقوق الشعب الكردي في سوريا. كل ما تريده أنقرة هو منع تثبيت هذه الحقوق قوميًا ودستوريًا، لأنها تدرك أن أي اعتراف حقيقي بكرد سوريا هو كرة نار ستتدحرج حتمًا نحو داخلها، حيث القضية الكردية المؤجلة بالقوة والقمع والإنكار. ومن هنا، تتحرك تركيا بكل ما تملك من أوراق ضغط، علنية وخفية، سياسية وأمنية، إقليمية ودولية، لإجهاض أي مسار يفضي إلى اعتراف دستوري صريح بحقوق شعب يعيش على أرضه التاريخية منذ آلاف السنين.

في هذا السياق، لم يكن استخدام عبد الله أوجلان تفصيلًا عابرًا، بل أداة مدروسة أُحسن توظيفها. فالرجل، القابع في إمرالي، تحوّل – شاء من شاء وأبى من أبى – إلى قناة ضغط تركية فاعلة على قيادة “قسد”، يُمرَّر عبرها خطاب “الاندماج الديمقراطي” وفق الشروط التركية، لا وفق مقتضيات العدالة التاريخية أو التضحيات الكردية. اندماجٌ يُراد له أن يكون بلا مضمون قومي، وبلا ضمانات دستورية، وبلا اعتراف صريح بالشعب الكردي كقومية أصلية في سوريا.
تركيا اليوم لا تمانع، بل تشجّع، منح الكرد السوريين بعض الفتات الإداري: بلديات موسعة، هامش لغوي هنا، تعليم جزئي هناك، وبعض المواد “الطريفة” في قوانين يمكن تعديلها أو إلغاؤها في أي لحظة. لكنها ترفض، وبشكل قاطع، إدخال كلمة واحدة واضحة في الدستور تعترف بالكرد كشعب، وبكردستان سوريا كحقيقة تاريخية وجغرافية. وهذا ليس سخاءً، بل سياسة احتواء، هدفها تفريغ القضية من جوهرها، وتحويل نضال شعبٍ إلى ملف إداري قابل للمساومة.
من هنا، لم يكن مفاجئًا – لمن يقرأ المشهد بعمق – تصريح زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي حين قال:
“يجب علينا احترام عبد الله أوجلان، لأنه التزم بالوعود التي قطعها.”
تصريح كهذا لا يُفهم إلا في سياق واحد: رضا الدولة العميقة في تركيا عن الدور الذي أُنيط بأوجلان في هذه المرحلة، ودوره في تمرير مقاربة تُرضي أنقرة وتخفف عنها هواجس الداخل الكردي.
ثم جاء تصريح الرئيس المشارك لحزب DEM Parti ليكشف ما كان يُدار خلف الكواليس، حين قال بوضوح:
“إن هذا الاتفاق (قسد – دمشق) هو ثمرة الجهد الذي نُسج خيطًا خيطًا في إمرالي.”
وهنا، لم يعد الأمر تحليلًا أو استنتاجًا، بل اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن مسارًا مصيريًا يتعلق بكرد سوريا، يُطبخ بعيدًا عن إرادة الشارع الكردي السوري، وبمنطق يقدّم أمن تركيا واستقرارها الداخلي على الحقوق القومية المشروعة لشعبٍ آخر.

إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية، ليس فقط محاولات تركيا الالتفاف على الحقوق الكردية، بل قابلية بعض الأطراف الكردية للانخراط في هذا المسار، تحت عناوين براقة وشعارات فضفاضة. فالتاريخ لا يرحم، والحقوق التي لا تُثبّت دستوريًا، تُسلب عند أول منعطف. والدماء التي سُفكت، والأرواح التي زهقت، والأجيال التي نشأت على الحلم الكردي، لا يمكن اختزالها ببلدية موسعة أو مادة قانونية قابلة للشطب.
إن القضية الكردية في سوريا ليست ملفًا أمنيًا، ولا تفصيلًا إداريًا، ولا ورقة تفاوض إقليمية. إنها قضية شعب، وهوية، وحق تاريخي. وأي حل لا يبدأ من هذا الاعتراف الصريح، وينتهي بتثبيت دستوري واضح، هو مجرد هدنة مؤقتة على حساب المستقبل.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى وعي كردي جامع، يميّز بين التكتيك والاستراتيجية، وبين الحلول المرحلية ومحاولات الاحتواء. فالقضية التي تُدار من خلف الجدران، ولا تُناقش على ضوء الإرادة الشعبية، مآلها أن تُفرَّغ من مضمونها.
التاريخ يكتب الآن…
فإما أن نكون شهودًا على تثبيت حق،
أو شهودًا على تفريطٍ جديد،
تحت عناوين لا تُشبه تضحيات شعبنا ولا عمق قضيته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني   المصيبة ليست في أن يخسر شخصٌ في انتخابات مؤتمر… فهذه سنة العمل الديمقراطي، يوم لك ويوم عليك. المصيبة الحقيقية تبدأ حين تتحول الخسارة إلى مشروع تكتل، وتصبح النتائج الشرعية ذريعة لإشعال الفوضى. فجأة، وبعد إعلان النتائج، نرى من التفّ حوله؟ أشخاص تحيط بهم عشرات علامات الاستفهام تنظيمياً. من لم يلتزموا باجتماعاتهم الدورية. من غابوا عن ساحات العمل…

يونس حمد – أوسلو   خلال الحرب الهمجية التي اندلعت عام 2014 بين تنظيم داعش ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، كان المسلمون السنة، من اليمن إلى سوريا، الضحايا الرئيسيين. في الشرق، تضرر العرب السنة في العراق، وخاصة في المناطق الغربية، بشدة من الهجمات، وسقطت مناطقهم تحت سيطرة التنظيم المسلح المعروف باسم داعش. نزح بعض العرب في هذه المناطق من ديارهم، وباتوا…

عاصم أمين تُعدّ الديمقراطية إحدى أكثر المفاهيم السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الإنساني، فهي ليست مجرد آلية لانتخاب الحكام، بل رؤية فلسفية للإنسان والمجتمع والسلطة. نشأت فكرتها الأولى في أثينا اليونانية القديمة، حيث ارتبطت بفكرة مشاركة المواطنين الأحرار في اتخاذ القرار، لكنها تطورت عبر القرون لتصبح نظاماً معقداً يقوم على التعددية وادارة الاختلاف، وسيادة القانون، وحماية الحقوق الفردية. في مقابلها…

عنايت ديكو أولاً: كوردياً تعني هذه الزيارة، قبل أي شيء، أن الشعب الكوردي في أجزائه الأربعة، وعبر موجة المظاهرات العارمة التي كسحت الشوارع الأوروبية، قد عبّر بوضوح عن تأييده للحالة الراهنة في كوردستان سوريا، بما في ذلك الاتفاق الأخير بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية. وهي في العمق رسالة تفويض سياسي وشعبي مفادها أن المرحلة لم تعد مرحلة ارتجال أو…