سورية: وماذا بعد دير الزور؟!

  د.

عبدالباسط سيدا

واقتحمت دبابات النظام ووحداته القمعية إلى جانب شبيحته مدينة ديرا لزور الأبية، عروسة الفرات الخالد، وذلك في سعي هذياني محموم ، سعي بائس يائس من مجموعة القرار لبث الرعب في قلوب السوريين والسوريات، وإرغام شعبنا السوري الثائر  في كل مناطقه وجهاته، بكل شرائحه وتوجهاته وانتماءاته، على العودة ثانية إلى دائرة الإذلال وهدر الكرامات، دائرة التسبيح بأسماء القائد المؤله، والتبرّك بعباءات زبانيته، والتقوقع على الذات، وتسليم الأمر إلى من حوّر في المفاهيم والقيم، حتى باتت الهزائم انتصارات، والرذائل فضائل، والمدنس مقدساً.
نعم، لقد اقتحمت دبابات الزمرة- العصابة التي سيطرت على البلاد في غفلة من الزمن- دير الزور، المدينة الأصيلة الأبية المسالمة، بعد تهديد ووعيد، لقد اقتحمتها رغبة في إسكات شعلة الثورة المتميزة فيها، وهي التي أضفت جمالية خاصة على الثورة السورية الكبرى الثانية، ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، جمالية متناغمة مع سحر حماة ورمزيتها، جمالية تآلفت مع الفرات، وتعاهدت مع العاصي، ومع سائر المدن والبلدات السورية على الاستمرار في الثورة عنيدة شامخة مبدعة حتى إسقاط النظام.

هذا النظام الذي يثبت في كل لحظة أنه قد أصبح جزءاً من الماضي، ولم يعد في مقدوره  التكيّف مع المستجدات والتحدّيات التي يستوجبها العصر.

نظام تلاحقه عُقده، وتتحكم به لا شرعيته، فيوجه حقده الدفين قمعاً غير مسبوق وغير مألوف نحو شعب أبهر العالم بشجاعته وبراعته ، أذهل الدنيا بإبداعاته ونبله على الرغم من عقود طويلة مظلمة؛ عقود سعت خلالها سلطة الاستبداد والإفساد بكل جبروتها وغيها وأذرعها الأخطبوطية من أجل تشويه الدواخل، وشراء الذمم، وتسطيح العقول، وتقطيع أوصال المجتمع.

كل ذلك في سبيل شرعنة القرصنة، والتستر على القباحات البنيوية المتلازمة عضوياً مع تسلط هكذا زمرة على مركز قرار الحكم في سورية.

زمرة نهمة شرهة لا تشبع من سلطة الاستبداد والمال الحرام؛ زمرة تعرف أنها تسبح ضد التيار، تعمل ضد إرادة جميع السوريين، فتعلن الحرب على جميع السوريين؛ تستخدم ضدهم كل أنواع الأسلحة التي دفع السوريون أثمانها كداً وعرقاً ودماً.

زمرة يزعم رئيسها أن من واجب الدولة حماية مواطنيها من الإجرام، وهو الذي يعلم علم اليقين أن كل ما يحصل في سورية من إجرام في الأيام المباركة هذه، إنما هو بتدبير وقرار وتنفيذ من ماكينة سلطته الإجرامية، وهي السلطة التي تمارس في السوريين قتلاً وتنكيلاً منذ ما يزيد على الأربعة عقود؛ كما انه يعلم – وهو الذي ورث الجمهورية قبل أحد عشر عاماً بموجب مسرحية تهريجية لم تكن متقنة الحبكة والإخراج- أن السوريين منحوه فرصة أكثر من كافية، وأجبروا عقولهم على تصديق وعوده المعسولة التي كانت بهدف التمكّن، وإسباغ صيغة من الشرعية على اللامشروع  في ماهيته؛ ولكن ها هو اليوم، وبعد كل هذه المدة الطويلة، يعود من جديد ليدعونا بمنطقه “المسيلمي” البليد  المعهود إلى الإسراع من دون التسرع في الإصلاح؛ وهو المتيّقن بأن مجرد الشروع في إصلاح حقيقي جاد مؤداه زوال زمرته الباغية التي تنتهك حرمات البلاد والعباد.
 لقد قال شعبنا كلمته بإصرار منقطع النظير لم تتخيّله الزمرة المعنية قط، ولن يتراجع هذا الشعب أبداً بعد كل هذه التضحيات الجسام، بعد كل هذه الدماء الطاهرة التي ستظل وإلى الأبد أشرف وأنبل ذكرى تعتز بها الأجيال السورية القادمة؛ دماء أجبرت المجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي على التحرك نسبياً، وذلك بعد أن تبيّن للجميع أنه لا مجال لإسكات صوت الشعب السوري الهادر، هذا الصوت الذي يعلنها بصراحة لا تقبل أي تأويل أو تحوير: الشعب يريد إسقاط النظام؛ وهذا فحواه أنه لا مكان لدى السوريين لأي حل وسط مع نظام العصابة هذا الذي تجاوز كل الأعراف وكل القيم.
 لقد أثبت السوريون للقاصي والداني أن هذا النظام لا يستحقهم؛ كما أثبتوا جدارتهم باختيار النظام الذي يعبر عن إرادتهم الحرة؛ ومن هنا نرى أن الموقف الذي عبّر عنه أخيراً خادم الحرمين الشريفين إنما يمثل جزءاً من كل ينتظره السوريون من أشقائهم العرب الذين تأخروا عليهم كثيراً كثيراً بكل أسف، ولكن أن يأتي الموقف متأخراً خير من ألاّ يأتي البتة.

وما نأمله ونتوخاه هو أن يتلو هذا الموقف فعلاً نوعياً في القريب القادم من الأيام، ويتحوّل بالتضافر مع الجهد الدولي إلى سند داعم لإرادة جميع السوريين الذين يؤكدونها ليلاً نهاراً في كل الجهات السورية أنه لم يعد بيننا وبين هذا النظام سوى الاتفاق على كيفية وآلية الرحيل.

الرحمة لشهدائنا، العزيمة لشبابنا وشاباتنا، وحفظ الله سورية العزيزة من أي مكروه

القدس العربي 11-8-2011  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في تعريف الحركة الكردية السورية : نشأت بقيام الدولة السورية بعد سلخها من الإمبراطورية العثمانية ، وتقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو ، والقرارات الأخرى الصادرة من مؤتمر السلام بباريس ، ومؤتمري سيفر ولوزان ، والاتفاقيات الفرنسية التركية حول الحدود ، مضمونها تحرري في الخلاص من الاضطهاد والتميز والسياسات الاستثنائية ، حواملها جميع طبقات الشعب الكردي وفئاته الاجتماعية المتضررة…

عبدالكريم حاجي يؤكد المجلس الوطني الكردي أن لقائه مع مسؤولي دمشق يأتي في إطار خطوة سياسية ضرورية ومشروعة، تنسجم مع مسؤوليته الوطنية والقومية، وتهدف إلى استعادة القرار الكردي المستقل، وفتح مسار جاد لحل دائم وعادل يضمن الحقوق القومية والسياسية لشعبنا الكردي، بعيدًا عن المشاريع الفاشلة، وسلطات الأمر الواقع، والصفقات المؤقتة التي لم تنتج سوى المزيد من الأزمات والانقسامات. إن المنطقة…

د. فريد سعدون اتخذنا من الشعارات الجوفاء الخلبية منهجا، وتركنا المنطق والحكمة والممكنات جانبا … فخسارتنا كانت منطقية، وشعاراتنا كانت وهمية . https://www.facebook.com/.

عبداللطيف الحسينيّ دَفَنَ العهدُ الجديد الحالي ما قبلَه من عقود البعث الكافر وعصابات آل الأسد، وسيلاحقُ القانونُ الفلولَ وأشباهَ الفلول …كلَّهم أو نصفَهم أو رُبعَهم أو رَبْعَهم، و ستكونُ سوريا لاحقاً:”ممنوع دخول البعثيين”. بعدَ تطهير سوريا من آخِر بعثيّ أسدي “أو مَن شابهَه”اختبأَ في الزّواريب والأنفاق و الزّوايا المعتمة، و لو أنّ تلك الزّوايا المعتمة تليق…