إبراهيم بهلويأما المنظمة السياسية بصيغتها الراهنة انعكاس لهذا الفهم البدائي أولاً وثانياً لمجموعة من العوامل والعتاصر التقليدية التي تقوم على آساسها السياسي، التي لا تعدو ان تكون شكلاً من أشكال حشد الأنصار عن طريق الترغيب والتلويح بتحقيق منافع مباشرة بالإضافة إلى أستخدام علاقات القرابة والصداقة والقبيلة ،واللجوء إلى المبالغة والتخوين من الآخر، وكصيغة من صيغ الدفاع عن النفس.
يتم كل ذلك ضمن منطق الأستمرار في الزعامات التقليدية السائدة واساليبها، لذلك فأن المنظمة السياسية ليست أكثر من إطار تكون نتيجة عوامل بدائية وهشة، أي ان المنظمة لا تقوم على أساس فكري أو طبقي، كما لا تمثل شرائح متجانسة مما يجعلها اقرب إلى التجمع الأنتهازي المعرض دائماً للتفسخ والتغيير تبعاً لصالح بعض أفراده.
في ضوء هذا الوضع السياسي وأشكاله من الطبيعي أن يكون دور الثقافة هامشياً لا يتعدى الديكور ، وان يكون المثقف في المنظمة السياسية عنصراً ثانوياً ومن الطبيعي أيضاً أن يقع التباعد في الفهم والعلاقة بين المثقف والسياسي ، ولا يلبث أن يصبح هذا التباعد خلافاً فافتراقاً وربما عداءً بين الطرفين.
وقد لا تظهر الشروخ واضحة المعالم وجادة في فترات معينة ، خاصة في أزمنة الرخاء،فما دام السياسي قادراً على تسخير الثقافة لخدمة عمله اليومي ، وما دام “المثقف” راضياً يقوم بهذه المهمة فأن تعايشاً من نوع ما يخيم داخل المنظمة السياسية،لكن إذا تمرد المثقف على الدور الذي يسند إليه، أو لم يقم بواجب الأفتاء والتبرير ، او إذا مارس حقه الديمقراطي بالنقد والاختلاف ،عندئذاً لا بد أن يقع الخلاف بين الطرفين، وغالباً ما يلجأ السياسي إلى معاقبة المثقف وحده بل ومعاقبة الثقافة، بأعتبارها ترفاً او خيالاً وأنها تعيق العمل السياسي وتخلق له الصعوبات.
أما في حالة الأزمات السياسية والتي تمر بها معظم الدول الشرق الأوسطية والتي عكرها السلطات الأستبدادية بسماجتها وطرق الفرض والجزية ، أقتبستها حالات السياسية في بسط سيطرته على المثقف الذي بجواره ورفض كل ما ينفيه السلطة- السلوك مختلف والمفهوم واحد- فقد أزالت الأزمة القناع عن السياسي وجعله ينجر ويجيز عبارات التقرب وما كان ثانوياً أصبحت من الأولويات في الفكر السياسي ، المنعطف الخطير للأزمة تحول إلى نوعاً من الحرية للمثقف يملي قلمه وفكره بحرية التي كانت مقيدة زمن تسلط السياسي وزمن الرخاء، عندئذاً فأن الأزمة جعل من السياسي أن يقدم بعض التنازلات فيرجع قليلاً فاسحاً المجال أمام المثقف لا أمام الثقافة، لضرورات فرضت منطقها وبعض شروطها ، مع ذلك تبقى الحالة هشة ومؤقتة لأن المنطق مايزال مسيطراً وهو أقرب إلى التواطئ الصريح من جانب كليهما دون قناعة الأول” المثقف” في أن الأمور تسير لصالح الثقافة ويمكنها من بسط الثقافة ويبقى العلاقة أشبه بسوء الظن وغالباً سوف تنتهي بأفتراق لاحق او بتدجين الضعيف وهو المثقف والثقافة في اغلب الاحيان.






