الاعلام السوري يكذب حتى في النشرة الجوية

المحامي مصطفى ابراهيم

هذا العنوان ليس من اختراعي وبنات افكاري فهذه المقولة سمعتها من صديقي الشاعر المرحوم ممدوح عدوان مرات عديدة والتي جابه بها السيد محمود الايوبي رئيس وزراء سوريا الاسبق في بداية ثمانينات القرن الماضي خلال ندوة مكاشفة ومصارحة ضمت العديد من السياسيين والمثقفين والاعلاميين في خضم الاحداث الدموية التي عمت الساحة السورية احتلت فيها مدينة حماه كما درعا البطلة الان المدينة الاكثر دموية وضراوة ووحشية في دائرة تلك الاحداث وقد ساور البعض الشكوك وعدم اليقين المطلق لتلك المقولة التي تجاني المنطق والعقل السليمين بوصول الاعلام السوري الى هذا الدرك من الكذب والتحريف وتشويه الحقائق الساطعة بالبراهين والادلة القاطعة البالغة حد اليقين.
بيد ان ما نقرأه ونسمعه ونشاهده الان من هذا الاعلام بعد مرور ثلاثة عقود تقريبا وفي مناخ الثورة الصناعية ووسائل الاتصال والتواصل التي جعلت من العالم قرية صغيرة من تشويه وتحريف واكاذيب فاضحة سافرة يسخر ويشمئز منها الاطفال الصغار قبل العقلاء والكبار جعله نموذجا فريدا لا نظير له على جميع الساحات المحلية والاقليمية والدولية فاقدا لادنى درجات المصداقية حتى لبعض القوى والشرائح المتعاطفة مع النظام والمغررين بمواقفه وثوابته الوطنية في التحرير والصمود والمقاومة التي اجّترها وتشدق بها على مدى عقود .
وهنا ساسرد ثلاث وقائع ومشاهد بثها التلفزيون السوري على سبيل المثال لا الحصر كانت بكل المعايير فضائح بامتياز .
اولا : بثت الفضائية السورية ان اجهزتها الامنية قد وضعت يدها على خيوط مؤامرة امريكية اسرائيلية يديرها مهندس مصري يحمل الجنسية الامريكية وأطل هذا المسكين على الشاشة مندهشا مرعوبا مرتجفا يدلي باعترافات وبيانات فبركتها له الاجهزة الامنية وارغمته على تلاوتها امام الرأي العام ولكن المفاجأة بل الفضيحة كانت بجلاجل حينما ظهر هذا (الجاسوس) الخطير مهندس المؤامرة الدولية على النظام (الممانع) في الفضائيات المصرية مندهشا يلعن قدره الملعون بتواجده من باب الصدفة في المسجد الذي خرجت منه المظاهرة في مدينة دمشق وكان السبب للمصير المشؤوم وجعله بطلا لمسرحية هزلية سخيفة الاخراج والانتاج والسيناريو
ثانيا : ارتكبت قوى الامن السورية اعمالا وحشية بحق شباب متظاهرين في احدى ساحات مدينة بانياس الساحلية بثتها العديد من الفضائيات العربية والدولية مع موجة عارمة من حملات الشجب والاستنكار من المنظمات الدولية ولجان حقوق الانسان في العالم انبرى الاعلام السوري البدائي المتخلف بنفي تلك العملية البربرية وانكارها وكانت تلك الفضيحة أم الفضائح بقولها بان تلك المشاهد واللقطات قد جرت في كوردستان وبايدي قوات البيشمركة الكوردية وليس في مدينة بانياس في الوقت الذي كانت تلك القوات تتكلم اللغة العربية اولا وتهتف بحياة القائد بشار الاسد ثانيا وان جزءا من شاطئ البحر المتوسط كان باديا للعيان على الطرف الايسر من الصورة والمشهد .
ثالثا : بثت الفضائية بيانا هاما وخطيرا بان الاجهزة الامنية الساهرة على امن الوطن والمواطن قد القت القبض على النائب اللبناني عقاب صقر في مدينة بانياس مع مجموعة من العملاء المخربين وهم قيد التحقيق الذي سيكشف ابعاد وخيوط المؤامرة الدولية والاقليمية على النظام (الممانع المقاوم) ولكن عملا بالمثل العامي (حبل الكذب قصير) وكان قصيرا جدا في هذه المرة فبعد دقائق من بث هذا الخبر الهام والخطير كان النائب عقاب صقر على شاشة قناة اخبار المستقبل اللبنانية بشحمه ولحمه ينفي بالصوت والصورة رواية الاعلام السوري وكم كان شهما بقوله (لم اذهب الى بانياس مطلقا وعندما ارغب بالذهاب سيكون هدفي التبرع بدمي لجرحى الانتفاضة وليس للتآمر والتخريب) .
هذا ناهيكم عن ترديده الممجوج المقرف لمفردات العملاء والمندسين والسلفيين والشبيحة وخلايا اللواء عمر سليمان المصري وبندر بن سلطان السعودي وجمال الجراح اللبناني الى اخر الموشحات التي باتت من الماضي السحيق ولكن شر البلية والمأساة انه يطالب العالم بأسره بتصديقه وتكذيب جميع وسائل الاعلام الاقليمية والدولية ذات المصداقية العالية التي تعمل بحرفية وحيادية ولا استبعد ان ياتي اليوم الذي يتحفنا برواية بان الشمس بدأت تشرق من الغرب وان السواد الذي يلف سوريا بعرضها وطولها هو يوم مشرق وضّاء بنور القائد الرمز والمنطلقات النظرية لحزب البعث ورسالته الخالدة يرفرف في سمائها رايات الامن والامان وحمامات السلام فأمام هذه المأساة والتراجيديا التي يعيشها الشعب السوري وشبابه الابطال في ظل نظام بوليسي قمعي بربري واعلام كاذب فاسد بامتياز فاق وتجاوز بأشواط كثيرة اعلام الوزير النازي (غوبلز) لا يسعني الا ان احني هامتي اجلالا لروح الشاعر المرحوم ممدوح عدوان الذي سبقنا بثلاثة عقود على اكتشاف حقيقة هذا الاعلام التافه فحقا انه يكذب في كل شيء حتى في النشرة الجوية فاذا لم تستحي فاصنع ما تشاء كما قالت العرب .
 
سياسي كوردي سوري
4/5/2011

* المرحوم ممدوح عدوان من سكان قرية دير ماما التابعة لمنطقة مصياف وينتمي للطائفة العلوية الكريمة عمل لعدة سنوات في جريدة الثورة السورية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد جميل محمد عشرات السنينَ الغنيّة بآلاف التجارب على مرّ التاريخ، ومنطق العقل يقول: إن قضايا الشعوبِ ومشكلاتِها وأزماتِها لا تُحلّ بالشعارات الحماسية والصراخ المُجَلْجِل خلف الشاشات، ولا تحلّ بالخطابات الرنّانة والضوضاء والزَّعيق أو بتخوين الآخَرين المختلِفين، ولا تُحلُّ بالفَساد والفاسدين والمفسِدين والمدَّعين الزائفين، ولا باختلاق الأكاذيب وإشغال الناس بالأوهام والركض وراء سراب الوعود الخيالية. عشرات السنينَ، وقضايا الشعوب لا…

إبراهيم اليوسف   إلى أم أيهم رفيقة دربي في بكائها الذي لم يتوقف إلى كل الأمهات اللواتي تقفن ضد الحروب والقتل   مرّت علينا أيام جد ثقيلة كأن الزمن توقف أو انكسر داخلها، إذ لم يعد النهار نهاراً ولا الليل راحةً، إنما كنا في مهب امتداد موجات قلق لا ينتهي. خبر صادم يتلوه خبر مماثل آخر، إشاعة تسبق أخرى….

خالد حسو تظل عفرين، بمعاناتها ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الوعي الكوردي، لكنها غائبة عن مراكز اتخاذ القرار في الحوارات السياسية. إن غياب التمثيل العفريني في وفد المجلس الوطني الكوردي المشارك في الحوارات الجارية مع دمشق يثير تساؤلات جدية حول شمولية العملية التفاوضية ومعايير العدالة في التمثيل. فالعدالة في التمثيل ليست مجرد معيار سياسي، بل قضية جغرافية أيضًا. تمثيل كل منطقة…

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…