العروبة والاستبداد

حواس محمود

 العروبة كتيار سياسي – العروبة السياسية- في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، بالاستناد إلى جملة عوامل وأسباب وجدت فيها مبررات وجودها واستمرارها بقوة على سطح أحداث تلك المرحلة.
العروبة السياسية روجت لفكرة القومية العربية بتأثير جمال عبد الناصر وميشيل عفلق وساطع الحصري وزكي الارسوزي وغيرهم من تياري الناصرية والبعث، وما أشعل لهيبها خروج الدول العربية توا من هيمنة الاستعمار التقليدي واحتلال فلسطين بمباركة بريطانيا والمنظومة الدولية، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني وامتزاج الهم العروبي بآثار وانعكاسات جرح فلسطيني غائر في جسم العالم العربي، فكان سطوة الشعار قويا ومدويا إلى تلك الدرجة التي استطاعت أن تطمس وتسكت وتضعف الأفكار والتيارات الليبرالية، وتلك القوى التي كانت تدعو للتنمية والتحولات المجتمعية في البلدان العربية،
 وبعد أن فشلت الدول العربية في تحرير الأراضي الفلسطينية من إسرائيل وخاضت حروبا خاسرة جعلتها تفقد جزءا من أراضيها هي الأخرى، وهي بالأساس قد جمدت المتغيرات الداخلية لصالح التحديات الخارجية “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” ولكن وأي معركة؟، هزائم وخسارات ونكبات ونكسات على حساب كل تحول آو تغير أو تطور في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في هذه الدول، أقول: بعد هذا الفشل ظلت العروبة السياسية مرفوعة كشعار كصوت عال كضجيج أيديولوجي معبأ بشحنات عاطفية شعورية تهييجية تجييشية تحميسية انفعالية صارخة، وغطى هذا الضجيج وأسكت أصوات مطالبة – على ضعفها – بالديمقراطية والتطوير والعقلانية والتحديث، والظاهرة الأبرز والتي قلما نوهت إليها أقلام النخبة الفكرية المعاصرة هي اندغام واندماج وتمازج وتماهي العروبة بأنظمة استبدادية ودكتاتورية استطاعت التمسك بهذا الشعار – المغنم وإكسير السلطة – الذي استطاع أن يدغدغ قلوب وأفئدة الجماهير البسيطة، التي كانت تفتقد البوصلة الحقيقية  لتحقيق الحرية والتحرر معا وبالتالي كان الثمن باهظا وهائلا ، واستمرت رحلة التماهي الكبيرة بين زخم الشعار وطاقته التهييجية والتخديرية معا وسطوة السلطة وقدرتها التوظيفية له، فشكلت جدارا فولاذيا عازلا مانعا كابحا لأي حراك نهضوي عربي حتى في أيامنا الراهنة.
ولعل الأزمة الراهنة رغم مرور عقد تقريبا من دخول الأنظمة  العربية للألفية الجديدة هي استمرار للمرحلة السابقة ما قبل الألفية الجديدة، التي رغم العواصف والكوارث والمتغيرات الكبرى محليا وإقليميا ودوليا، إلا أنها بقيت راسخة ومراوحة في أماكنها لا تتزحزح قيد أنملة تحت تأثير أية قوة، ووصلت الأمور لديها أنها مستعدة للتخلي عن مضامين الشعار- وليس الشعار نفسه- الذي استثمرته تاريخيا لصالح بقائها في الحكم، طالما أن مثل هذا التخلي لا يؤثر في استمرارها لتوظيف الشعار ولا يؤثر على كراسي الحكم المتربعة عليها.
ومثال ذلك الآلية المتخلفة المستخدمة بين الحدود العربية – العربية بالرقابة الشديدة على دخول الأشخاص والبضائع والكتب من دولة عربية إلى أخرى، وإهمال وتجميد الحديث في الإعلام والمطالبة بمناطق مستولى عليها من قوى إقليمية كعربستان بايران ولواء اسكندرونة وكيليكية بتركيا، كل ذلك يحصل لدى العقل الناظم والمدبر للنظام الرسمي العربي، الذي أصبح يفتقد كثيرا من مقومات البقاء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كدول مؤسسات وإدارات ودساتير وقوانين تستطيع  تنمية بلدانها وتطويرها إلى الأمام، ويمكن تشبيه حال الدولة العربية بعلبة كرتون فارغة معلقة في أعلى سقف غرفة  بواسطة قضيب معدني رفيع، هذه العلبة تبقى معلقة ما بقي السلك موجودا، لكنها سرعان ما تنهار عندما يقطع السلك بقدرة قادر، ولن أشرح ما ترمز إليه علبة الكرتون ولا السلك المعدني، واترك للقارئ متعة التفكير والتمحيص في هذا المثال العلمي البسيط ولكن ذو الدلالة المنطقية القوية والصارخة
وكنموذج عملي لمثالنا ما حصل للنظام العراقي السابق عندما انهار كل شيء بفعل دخول القوات الأميركية إلى العراق
لم يكن في العراق دولة بالمعنى القانوني المؤسسي لذلك فإنها لم تنهار وإنما كانت منهارة أساسا وممسوكة بقوى الأمن والقمع.
إن الأنظمة العربية تحاول عبر شعار العروبة البراق بكل ما أوتيت من إمكانات مادية ومعنوية، إدامة سيطرتها على رقاب شعوبها المقهورة والتي تخلفت وتأخرت عن شعوب العالم، ولا يوجد أي أمل لهذه الشعوب بالحرية والديمقراطية طالما أن الوعي لا زال مشوشا،  ولا تدرك حقيقة ما حصل لها في العقود السابقة وهي بذلك متأثرة بسطوة الشعار وخائفة إن حاولت التفكير بعقلانية من قسوة الاتهام بالعمالة للامبريالية والصهيونية، وان لم تكن خائفة فهي خجلة من الاتهام وهي وكذلك النخب الثقافية والفكرية التي لم تملك بعد جرأة الحقيقة الناصعة وعدم الخجل من زيف الشعار وبؤسه  الفاضح،  ولا ننسى غياب دور فاعل ومؤثر ايجابيا للمثقف العربي الذي همشته الشعارات وأبعدته وأقصته عن موقع التأثير والتغيير والفاعلية، وارتضى لنفسه الدور التهميشي لا بل إن قسما من المثقفين لا يستهان به استخدم كورقة بائسة رخيصة بيد أنظمة الاستبداد العربية، بحيث أن الحقيقة  الساطعة الناصعة النابضة بضرورة التغيير وعدم النوم على الحالة العربية الراهنة يتم تشويهها وتزييفها وتمييعها بحملة الأقلام ومرتزقة الثقافة ممن أجادوا فن القول الغير مسؤول والشعار العاطفي الرخيص  والصراخ الديماغوجي التضليلي، وبالتالي فالمواطن العادي البسيط رغم مرارته بواقعه ورغم صدمته بهذا الواقع ورؤيته للمفارقة الحضارية الرهيبة بين مجتمعاتنا ومجتمعات دول العالم، يركن للصمت والهدوء والنوم وهو يشعر في أعماقه ولسان حاله يقول كما قال غاليلو ” ومع ذلك فالأرض تدور”

وتمييعها بحملة الأقلام ومرتزقة الثقافة ممن أجادوا فن القول الغير مسؤول والشعار العاطفي الرخيص  والصراخ الديماغوجي التضليلي، وبالتالي فالمواطن العادي البسيط رغم مرارته بواقعه ورغم صدمته بهذا الواقع ورؤيته للمفارقة الحضارية الرهيبة بين مجتمعاتنا ومجتمعات دول العالم، يركن للصمت والهدوء والنوم وهو يشعر في أعماقه ولسان حاله يقول كما قال غاليلو ” ومع ذلك فالأرض تدور ”

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…