عبد الرحمن آلوجييختلف التجمع الإنساني اختلافا كبيرا عن أي تجمع آخر ..
بدافع الاحتشاد والحماية أو نشأة الكلأ أو احتضان اليئة في القطيع , لأن التجمع الإنساني – بما وهب من فكر وعقل وحاجة إلى الاجتماع – يهدف بطبيعثه المتطورة هذه إلى هدف ونشاط يرتقي بهما إلى اهتمامات أكبر من الحاجة العضوية والضرورة الحياتية المحدودة , كما هو حاصل في نطاق القطيع وضروراته, ولأن لهذا التجمع ضرورات في الالتقاء والتوافق والتعارف , أو التدابر والتعارض والصدام ..
وذلك في إطار المجتمع الذي يعيش فيه ..
في إطار نظام خاص في لحظة معينة ..
) – القاموس السياسي ص 433 – وهو ما يدعوه إلى التكيف مع عناصر المحيط والتفاعل مع قيمه وأهدافه وإرادته ودرجة طموحه , محققا وجوده الاجتماعي وتطوير موقعه والتأثير المحدد وفق الطاقات والاستعدادات في ذلك الوجود والتحرك من خلاله بما يهيئ للعب هذا الدور , وتغطية العناصر المساهمة في التكوينة الاجتماعية وترقية العمل الاجتماعي بمخنلف أبعاده واعتباراته وقيمه وتعاليمه ومعاييره وفق درجة ارتقائه وتمدنه, بما يحقق التكيف ( مع الوسط الطبيعي والشروط المادية للحياة ..
في انضبا ط لمعايير السلوك ..
وفق قيم ثقافية محددة يلزم الشخص والجماعة بالتكيف من جهتها ..
القاموس السياسي ص156 ) وهو ما يؤهل لعملية التطور والارتقاء , ويبرز دور الفرد – من خلال تجمعه ومحيطه – ومدى فعاليته وتأثيره , وحسن توجيهه وقيادته , ليتوضح الدور الريادي للفرد الفاعل , ومدى قدرته على قيادة العمل النضالي وبلورة أهدافه وصياغة موقفه المبدئي ووضع ملامح رؤيته ومنظومته الفكرية والعقائدية … و الإنسان الفرد مطالب منذ اللحظة الأولى بانخراطه في تجمعه ووعيه بمحيطه بإدراك موقعه و دوره ووضوح فكره و تيقّظ مشاعره , و احتضان المجتمع لهومدى تفاعله مع حلقاته, و هو مطالب بممارسة هذا الدور , و تنمية هذا الشعور ورفع سوية احساسه ليصل إلى درجة التأثير , و القدرة على مضاعفة دوره , بما له من مزايا و ما وهب من إمكانات و ما أوتي من استعداد لتطوير و إغناء هذه الإمكانات , و مدى استجابته لهذه المؤثرات المحيطة به , في الحلقات التربوية المتتابعة ليتمكن من القدرة على التفعيل و التحريك , ليكون في صف أولئك المصطفين و المختارين من الافراد ( مناضلين و مفكرين و قادة و علماء و مبدعين ) ممن يمتلكون مواهب خاصة تؤهلهم لحمل الأمانات , و ترجمة الافكار و المثل النضالية الرفيعة ليحظوا بمكانة محددة في الخط الاجتماعي والإبداعي و السلم المعرفي , قدوة صالحة تشتمل على حظ وافر من السمات و الخصال التي تثبت خصائص الشخصية الاجتماعية و النضالية و العلمية المؤثرة , حتى يمكن معرفتهم بتميزهم , و قدرتهم على حمل الأمانة و اعبائها , و الاستعداد لتكاليفها و بلورة خطها , و توضيح سبل الاندفاع إلى بناء حضاري متكامل .
إن أي تجمع إنساني ينبغي ألا يخلو ,بحكم تكامل الحياة من مثل هذه العناصر المتميزة , في ضرورة تصدّيها لحاجات الجماعة و سبل تطويرها , بما تملك من استعداد فطري للاستجابة , و سرعة التمثل , و الاستعداد لخوض التجربة الإنسانية , و الالتحام بالحاجة الإنسانية التي تدعو إلى رفع دعائم الفكر و العلم و المعرفة و الاستقرار و الازدهار , ردا لغائلة الاعتداء على كرامة المجموع ( في أرضه و عرضه و ماله و عقيدته و فكره ,وحرية تعبيره, والحقوق الإنسانية الملازمة لوجوده .) إعلاء لشأن قيمة من القيم الوطنية أو القومية أو الديمقراطية أو المذهبية أو الفكرية الأوسع , و رسما لمعالم تاريخ صحيح , و ترقية للمنهج العلمي و البحث في مناخ صحي يخدم البشرية , و آفاق التحرر العقلي مما يعد من ألزم الحاجات و أكثرها ضرورة , في وقت تتعزز قيم الحرية و العدل و المساواة , و تستهجن كل أوضار و أوهاق العنصرية و الفاشية و النازية و الاستبداد و القمع و الهمجية و الوحشية الضارية , و كل آثار الاستبداد و الوصاية و الذهنية الإقصائية المتخلفة وكل أشكال وصور النفاق والتزلف المرضي والميكافيلية الممجوجة, واشكال التسلق والارتماء على الرخيص والقريب والباطل المنتفج والمتورم …
إن القيم و الحاجات و الضرورات التي تعد من مستلزمات الحياة الاجتماعية و الفكرية والإبداعية بمختلف آفاقها وصورها وأعلامها والمنتجين الرائدين في مناحيها وجنباتها معا , بما يعد من رواسخ المجتمع , و من ثوابته و خطوطه التي تستلزم اتخاذها منهجا أو طريقا , دون أن يكون ذلك محلّ إجماع أو اختلاف بين هذه البيئة أو ذلك التجمع , مما يفترض رجالا ذوي قدرات و مواهب تدافع عن حالة التجمع هذه والقدرة على دفعها في سبل الارتقاء والإشراق والتألق ..
مما يستوجب أن نطرح خصائص أولئك الرجال , ذوي الأهداف المشتركة , و القيم الجامعة , و القواعد و النظم و الأوضاع التي ارتأوها و اختاروها , ليتفاضل الناس حينها في نقلها سلوكا عمليا , و طاقة ميدانية , و قدرة على التمثل و إخلاصا لهذا التوجه , حتى يوسم هؤلاء بالمناضلين المدافعين عن هذه الثوابت و تلك القيم … فما هي هذه الصفات , و ما هي تلك المؤهلات حتى يقال أن هؤلاء هم المناضلون ؟! وأؤلئك هم المبدعون ؟ !
إننا إذ نطرح هذه السمات , ونعزز تلك القيم , لنماذج فريدة في التاريخ الإنساني بمختلف الأزمنة والأمكنة والمجتمعات الإنسانية, نحاول تعزيزهذه القيم الجما عية , ورفع أعمدتها وصواها , بغرض تأملها واستلهامها, من خلال خصال مشتركة جامعة تحقق رسوخها في نفوس الأعلام والقادة والمصلحين والمفكرين, ممن ناضلوا وكافحوا ونافحوا عن قيم رفيعة ومثل عالية , وبذلوا جهودا خارقة لإرساء دعائم فكر متألق, بغض النظر عن الانتماء الفكري أو العقائدي, باذلين كل نفيس لخدمة الإنسان وقضاياه , في التطور والإعمار والبناء ورفع الظلم والاستغلال عن كاهل البشرية والدعوة إلى النور تبديد ظلمات القهر والاستعباد وإذلال الإنسان وقمعه..
إن المناضلين و العلماء و المبدعين هم أولئك الذين أدركوا – قبل كل شيء – أن لهم دورا فاعلا ينتدبون إليه في تحديد مهامهم الموكلة إليهم , و إناطة الأعباء بهم , و حملهم على النهوض بتكاليف النضال و قيمه , فالخطوة الأولى في الدرب النضالي و المعرفي و الإبداعي عامة , هي في إدراك الهدف , و تحديد الغاية و التعمق في فهم الحاجة النضالية و الارتقائية , و الإيمان المطلق بها , بعد إدراكها و حسن تعريفها و تعميقها في النفس , و الشعور بضرورتها في الأعماق , و مدى توغلها في كيان المناضل و المقاتل بالقيم و الريشة المبدعة , حتى يستيقن تماما أنه خلق لها , و نذر نفسه من أجلها , ليكون مبدؤه أكبر من همه الذاتي , و لتكون قيمه أعلى قيمة , و أكبر تصور يمكن أن يعيش من أجله , و ينذر كل طاقاته و إمكاناته , في تلبية طموحاته , و تلبسه بكيانه , و توغله في إحساسه , ليكون سلوكه ترجمانا عمليا لأفكاره و مبادئه , و منظومته العقائدية التي آمن بها فكرا و مذهبا و طريقة تناول , و حسا رفيعا , يتنافى تماما مع مصالح قريبة , أو رؤى ذاتية محدودة , أو هبوط إلى درك المناورة و التضليل و إشاعة هالة من المبالغة و التهويل و الضجة المفتعلة الخارجة عن نطاق الحقيقة الناصعة , و الإيمان الراسخ , و الفكرة الرابضة في الأعماق في رسوخ ووضوح , و استقلال شخصية و بعد عن التبعية و رجولة فذة , و حماسة من غير تردد , أو تصنع أو مداراة مفتعلة .
تلك هي المقدمة الكبرى و الضرورية في حياة المناضل و العالم المبدع و الفيلسوف المفكر و المؤرخ العظيم الذي يجد من نفسه و فكره و إحساسه و شعوره جزءا من الحقيقة التي يسعى لترسيخها و ترجمتها و التأثير بها في الآخرين , و هي نقطة الفصل الحاسمة في ما يلحق من سمات و خصائص , تترجم في المرحلة اللاحقة و قد أدرك فيها أنه انخرط في عمل نضالي يستوجب حسا آخر و دفعة أخرى و قدرة و حيوية على تخطي الصعاب , و الاستعداد لها , و التضحية من أجلها , و الصبر و احتمال المكاره , و الترفع عن القلق و التوتر و الارتكاس و الركون إلى دواعي التواني و التراخي و الانكفاء , مما يستلزم وضوحا و قوة تألق و بيان , و قدرة على نقل هذا البيان , و إبلاغ هذه الفكرة , و التأثير في المحيط , بلا تقاعس أو خوف أو تلكؤ .
وهي من ألزم خصائص المناضل و أكثرها التصاقا بشخصيته إلى جانب حس أخلاقي رفيع , و نزاهة و ترفع عن الدنايا , و سمو فوق الرغائب الهابطة , و السمات التي تسف و ترذل بالإنسان و تمرّغه , و مراعاة لقيم الجماعة و مواضعاتها و تقاليدها , و حسها الاجتماعي الرافض لكل تقزز يشين , و يسيء إلى الشخصية المناضلة و المؤثرة في الخط التطوري و إغناء آفاق المجتمع التي تعد في هذا المجال قدوة فاعلة , بعيدة عن البذاءة و الرديء من القول والفعل , و التمرغ في أوحال الافتراء و نقض العهود , والإخلال بالمواثيق , و التشكيك و التلويح بالتشهير و ممارسة الشعوذة ومجافاة المعاييرالأخلاقية ..
مما يجعل محيطه موبوءا تفوح منه رائحة الكراهية و الحقد و الاستعلاء ..
و هي أبعد الشناعات و اكثرها بؤسا و قتامة و إضرارا بالشخصية المناضلة , وإساءة لصومعة المفكرين و رهبنة المنقطعين إلى فضاءات الإبداع , و رفرفة و شفافية الروح الإنسانية و سموها,إبعادا للأذى الكبيرالذي يمكن ان يلحق بدعوته و فكرته و قيمه و معارفة و مناهجه العلمية و ابحاثه و إبداعاته التي يناضل من أجلها ..
ليبقى الحس الأخلاقي و الممارسة الخلقية الرفيعة دافعا مؤثرا لتقريب فكرته و التفاف الناس من حوله و الإيمان بصدقه و مصداقيته و أمانته و نقائه و ترجمة حية لسلوك نضالي رفيع و مخلص , تجعل من المناضل محركا و مؤثرا و قوة فاعلة في المحيط الاجتماعي الخاص به , و في المحيط النضالي الذي يتحرك من خلاله ليكون سلوكه و إحساسه و تصرفه و اندفاعه و توازنه ترجمانا ميدانيا لمبدئه و عقيدة راسخة تتحرك على أرض الواقع بعيدا عن النفاق و انتهاز الفرص و الذاتية و الأنانية و تضخم الشخصية.
كما تبرز صفة أخرى شديدة القرب , بارزة في حياة الإنسان الذي آمن بدوره , و أدرك خطورة هذا الدور , و أهميته في بلورة اتجاهاته , و ترجمة مبادئه , هذه الصفة تعد من ألزم و أكثر الخصائص قربا إلى حياة المناضلين و إبداعات الصف الأول , لترسم هالة مشرقة مضيئة من حولهم , و هي أسلوب الخطاب و طريقة الأداء , و يسر التناول و الحوار , بلا نفور و إعراض أو فظاعة أو فحش في القول , أو دنو و هبوط في التعبير, أو رداءة في نقل الأفكار , بالابتعاد عن بؤس المطلب و خوائه و سذاجته و ارتكاسه و منزلقاته و انحداره ..
مما ينفرّ و يباعد بين الإنسان و هدفه ..
ليكون لين المعشر و بساطة الأداء و روعة العبارة , و سلامة النقل , و دقة الضبط , و صدق النقل , من لوازم النضال , و مستلزمات العمل الفكري , و ليكون بذلك محط انظار , و مرتجى لقاء , فيجد الناس – من خلاله – إقبالا واعيا و عميقا لما يدعو إليه و يؤمن به و يناضل من أجله , تلك سمات أولية و أساسية تتعلق بشخصية المناضل, لتكون لنا أسوة و قدرة و مركز تأثير و مثار إعجاب ..
تجلى في شخصيات عالمية سطرت في سفر الخلود صحائف خالدات, لا تزال مصدر إلهام, و مبعث إعجاب و اقتداء, و لندرك أين نحن من هذه الشخصيات المناضلة ؟! و هذا الخط النضالي المفعم بالقوة الممتلئ بالعافية , و نعلم أين نحن من هؤلاء المناضلين , و أولئك هم المبدعون ؟!






