الكرديّ «خائناً» أو مشتبهاً به إلى الأبد!

هوشنك أوسي

موجودون في الجغرافيا التي هم عليها حاليَّاً، حتَّى قبل بزوغ اليهوديَّة والمسحيَّة والإسلام.

لهم بصماتهم على حضارات الشرق الأوسط، وإسهاماتهم المهمَّة في التاريخ والتراث الإسلامي كثيرة، والأدلَّة والأسماء على ذلك، أكثر من أن تُحصى.

شعبٌ خدمَ الإسلام، الى حدّ النخاع، ولمَّا يزل، ولم يلتفت إلى معاناته المسلمون، حين كان يذبح بالكيماوي على أياد «مسلمة» في العراق، ولمَّا يزل يذبح في إيران وتركيا، أيضاً، بـ»أيادي» مسلمة!.

شعبٌ، خَدمَ اليساريَّة والشيوعيَّة الى حدّ النخاع، ولم تلتفت له هذه أيضاً.
 ساهم في محاربة الاستعمار الفرنسي في سورية، وأوَّل رصاصة ضد الاحتلال الفرنسي، كانت من بندقيَّة الكردي إيبو محو شاشو، كما تقول المدوَّنات عن الثورات السوريَّة.

واستبسل البطل الكردي السوري يوسف العظمة، في وجه الجنرال غورو، ولم يدخل هذا، دمشقَ، إلاَّ على جثَّة العظمة في بطاح ميسلون.

وخاضت عشائره وشخصياته المعارك الوطنيَّة ضد الحكم الفرنسي، في شمال شرق سورية، وفي جبل الزاوية بقيادة الكردي إيراهيم هنانو.

وساهم ساسته ومثقفوه بغزارة وجدارة في العهد الوطني السوري منتصف الخمسينات.

إنه الشعب الكردي في سورية، الذي لا محل له من الإعراب السوري؛ مشطوب من الدستور، ولا حقوق قوميَّة وسياسيَّة وثقافيَّة له.

قسم منه، مجرَّد من الجنسيَّة.

مناطقه تتعرَّض للتعريب والتهميش الاقتصادي.

الكردي في سورية مشروع معتقل، إذ هو طالب الدولة بكرديته.

هو، وبعد كل ذلك التاريخ الوطني له، مطعون في وطنيته، وولائه الوطني، ومتهم بالخيانة والعمالة للأجنبي، حتى تثبت براءته لدى النظام الحاكم، ضمن صيغ معروفة!.

وكذا كان حال الكُرد في العراق، في مواجهة الإنكليز، الذين قصفوا مدنهم بالطائرات، ونفوا قياداتهم.
وهو الشعب الكردي في إيران الذي قاتل الشاه، وعاضد الخميني في «ثورته» الإسلاميَّة.

وما أن استتبَّ الأمر للخميني، حتَّى أنقلب على شركائه الأكراد.

ولمَّا تزل إيران خامنئي – نجاد على هذا المنوال.

وكذا حال أكراد تركيا.

إذ خدعهم أتاتورك، حين قال لهم: إن الجمهوريَّة التركيَّة مشروع شراكة تركيَّة – كرديَّة.

لكن، حين نسف أتاتورك اتفاقيَّة سيفر، التي نصَّت على منح المناطق الكرديَّة الاستقلال الذاتي، انقلب على الأكراد، وزجَّهم في المجازر، التي لا يُعرف حتَّى الآن، عدد ضحاياها.
في الفترة الفاصلة بين 1 و10 آب (أغسطس) المنصرم، أجرت مؤسسة «آنكيتخانة»، ومقرّها العاصمة التركيَّة أنقرة، استطلاعاً تحت عنوان: «كيف تنظر تركيا للقضيَّة الكرديَّة».

وقد أجري الاستطلاع على أربعة أجزاء:
1-محافظات جنوب شرق تركيا، ذات الغالبيَّة الكرديَّة، والتي يتمتَّع فيها حزب المجتمع الديموقراطي (المقرَّب من العمال الكردستاني) بشعبيَّة كبيرة.

وضمَّت 16 محافظة، وشملت 3260 شخصاً.
2-مدن وبلدات جنوب شرق تركيا، التي يتمتَّع فيها حزب المجتمع الديموقراطي بالشعبيَّة، ضمَّت 22 مدينة وبلدة، وشمل الاستطلاع هنا آراء 1511 شخصا.
3-مدن وبلدات جنوب شرق تركيا، التي لا يتمتَّع فيها حزب المجتمع الديموقراطي بشعبيَّة.

وضمَّت 14 مدينة وبلدة، وهنا، تمَّ استطلاع آراء 4543 شخصاً.
4-مدن ومحافظات غرب تركيا.

وضمَّت 15 محافظة ومدينة منها اسطنبول، أنقرة، أزمير، أنطاليا.

وهنا، تمَّ استطلاع آراء 4929 شخصاً.
وعليه، تمَّ استطلاع آراء ما مجموعه 14243 مواطن طرحت عليهم الأسئلة التالية: «برأيكم؛ هل هنالك قضيَّة كرديّة في تركيا؟.

وهل الأكراد والأتراك شعبان متمايزان ولكل منهما خصوصيته؟.

وهل اللغة الكرديَّة، لغة مستقلَّة بحدِّ ذاتها؟.

وهل ما يتكلَّمه الأكراد لهجة أم لغة؟».

وجاءت نتائج الاستطلاع، متناقضة بين شرق وغرب تركيا.

حيث رأى أكثر من 70 بالمئة، في المحافظات التي يتمتَّع فيها الحزب الكردي بالشعبيَّة، ان «الشعب الكردي، شعب له خصوصيته وهويَّته القوميَّة والثقافيَّة الخاصَّة.

وان اللغة الكرديَّة، لغة مستقلَّة لها خصوصيتها وأبجديتها وقواعدها.

وأن هنالك قضيَّة كرديَّة في تركيا».

أمَّا في المدن والمحافظات، فالغالبيَّة العظمى رأت أن الشعب الكردي، ليس «ذا خصوصيَّة وهويَّة قوميَّة وثقافيَّة خاصَّة به.

وان اللغة الكرديَّة، ليست لغة مستقلَّة، وهي إحدى اللهجات التركيَّة وحسب.

ولا وجود لشيء اسمه قضيَّة كرديَّة في تركيا».

إذن، نحن أمام تركيا منقسمة على ذاتها بشكل حادّ، فيما خصَّ الملفّ الكردي واستحقاقاته القوميَّة والوطنيَّة الديموقراطيَّة العادلة.

والسؤال هنا: ماذا لو أجري نفس هذا الاستطلاع، وبنفس الأسئلة، في إيران وسورية والعراق، وفي العالم العربي أيضاً، ألن نحصل على نفس النتائج، في ما يتعلَّق بمواقف الشعبين العربي والفارسي من الأكراد؟.
لعل المشهد العراقي الحالي، يشير إلى ملمح يفضي لذلك، لجهة التنصُّل الصارخ والالتفاف الفاضح من لدن الأحزاب العربيَّة العراقيَّة، الشيعيَّة والسنّيَّة، من الوعود التي كانت قد قطعتها على نفسها حيال حقوق الأكراد، قبل سقوط النظام السابق!.

وباتت هذه الأحزاب تستقوي بطهران وأنقرة ودمشق وعواصم عربيَّة كثيرة، ضدّ الأكراد العراقيين، والضغط عليهم، كي يتخلّوا عن تفعيل المادة 140 من الدستور، وتقويض الفيدرالية الممنوحة لهم.

وكذا الحال في سورية أيضاً.

فما يسمَّى بـ»المعارضة» هنا، تستميت في حصر الحقوق الكرديَّة في سورية، بالمواطنة، ولا تخفي مخاوفها ونواياها القلقة، إن لم نقل «السيّئة» من أكراد سورية والعراق!.

والمسافة التي تفصل معشر المعارضين العرب السوريين عن الشعب الكردي في سورية، لا تختلف كثيراً عن المسافة التي تفصل النظام السوري عن أكراد سورية!.

وليس تجنِّياً القول: صحيح إن وعي المجتمعات العربيَّة، ينطوي على شحنة معارضة لنظمها، بخاصَّة، في ما يتعلَّق بمساعي السلام والتطبيع مع إسرائيل، لكن هذا الوعي، منسجم مع الأكاذيب والتلفيقات والتشويهات التي يثيرها النظام الرسمي العربي حيال الشعب الكردي!.
والمتأمِّل للمزاج العربي والتركي والفارسي العام، حيال الشعب الكردي، سيعرف مدى نبل وشجاعة بعض المثقفين والمتنورين العرب والترك والفرس الأحرار، المتضامنين مع الشعب الكردي وقضيته وحقوقه العادلة.

ومن المؤسف القول: إن هؤلاء، قلَّة، ولا يمثلون المزاج العام لشعوبهم في هذه المسألة، وفي الكثير من المسائل الأخرى.

إذن، إن مهمّة هؤلاء المتنورين، في تغيير وتصحيح المزاج العام حيال الأكراد، لا تقلُّ صعوبة عن مهمَّة «حفر البئر بإبرة»، كما يقول أوجلان.

لأن جهودهم ستصطدم بنتاج عقود من التشويه والتضليل وغرس الأحقاد التي غرستها النظم الشرق أوسطيَّة في وعي مجتمعاتها، حتى وصلت حملة التشويه الى حقل الدراما التلفزيونيَّة (مسلسل «ظل المحارب» نموذجاً).

ولعل احد ملامح الكراهيَّة تجاه الأكراد في تركيا، أن جنود الجيش التركي يلتقطون الصور الفوتوغرافيَّة التذكارية، وجزماتهم العسكريَّة فوق صدور مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين يسقطون في الاشتباكات معه.
والحال هذه، تغدو خيارات الأكراد، في مسألة العيش المشترك مع شعوب المنطقة، في غاية الصعوبة.

وتغدو نداءات الأكراد في تركيا والعراق وإيران وسورية، حول رغبتهم في العيش المشترك في أوطانهم، كأكراد وليس كعرب وفرس وترك، صرخات في واد.

ولعل السؤال الكرديُّ الذي سيبقى يقرع وعي وضمائر شعوب الشرق الأوسط، هو: إلى متى سيبقى الكرديُّ، لدى هذه الشعوب، خائنا أو مشروع خائن؟
* كاتب كردي.

 الحياة     – 13/10/08

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…