هنا الجمهور.. التمثيل هنا

أحمد اسماعيل اسماعيل

كثيرة هي
الكلمات،والأبحاث والنظريات، التي قيلت وأسهبت في الحديث عن علاقة السياسة بالمسرح،
ولعل أكثرها رواية وحضوراً في ذاكرة غالبية المعنيين بالثقافة والمسرح مقولة
نابليون الشهيرة “أعطني مسرحاً أعطيك شعباً” والتي اكتسبت شهرتها من شهرة قائلها لا
من دقتها أو صوابها، ولقد طغت هذه المقولة على ما عداها من مقولات وأراء بهذا
الخصوص، حتى على تلك التي استندت إليها، اعتراضاً وتصويباً، مثل مقولة المخرج
المسرحي الفرنسي جان فيلار:” أعطني شعباً أعطيك مسرحاً”. وإن كانت هي الأخرى سياسية
أكثر منها إبداعية.
يطول الشرح في هذا الأمر الشائك، ويزداد تعقيداً كلما ابتعدنا عن جوهر الموضوع،
ومبدأ الظاهرة السياسية المبنية أصلاً على العلاقة التفاعلية بين المواطن والمسؤول
السياسي، والظاهرة المسرحية المبنية على العلاقة التفاعلية ذاتها بين الجمهور
والمسرح، أو بتعبير أكثر دقة ومعاصرة: على المتفرج والممثل. وإذا كان المواطن في
علم السياسة، وفي البلدان الديمقراطية، هو سيد الظاهرة السياسية، وُتقاس حرية الوطن
على سلم حريته، والتي نجد أفضل تعبير لها في مقولة فولتير:” لا وطن حر بلا مواطنين
أحرار” إذا كان هذا هو حال المواطن في هذه البلدان، فمن الطبيعي أن يُعد المتفرج في
بلد هذه هي سياسته سيد الظاهرة المسرحية أيضاً، وسيد العرض المسرحي، يُفتتح العرض
به وينتهي بمغادرته أو غيابه، المادي وغير المادي أيضاً، إذ أن العرض المسرحي
الخالي من الجمهور ليس سوى مكان للهو ومساحة لقتل الوقت.
ولعل حكاية الملك الذي
طلب من فرقة مسرحية تقديم عرضها المسرحي له فقط، وبلا جمهور، ليتحول طلبه هذا إلى
طرفة مثيرة  للسخرية. تجسد هذه الحقيقة خير تجسيد..
في المسرح يحدث أن يعبر
الجمهور عن رفضه للعرض المسرحي، أو عدم اندماجه وتجاوبه بأشكال وطرائق عدة، تناسبه
وتتوافق مع ثقافته، وهذا ليس بجديد، بل حق امتلكه الجمهور منذ بداية المسرح الأولى،
إذ يُعلمنا تاريخ هذا الفن أن جمهور المسرح الإغريقي كان يطلق الصفير وعبارات
الاستهجان في العرض الذي لا يُعجبه، ولقد استمر ذلك، بهذا القدر والشكل أو ذاك، في
أماكن أخرى وأزمان مختلفة، لينحسر بعدها تزامناً مع تطور الحضارة وآدابها السلوكية،
ولقد تجلت هذه الظاهرة في مسارحنا بشكل مختلف، اختلافاً لا يمت للحضارة بقدر
ارتباطها بثقافة الناس، وظرفهم، من خجل وخوف ونفاق، ليشمل هذا، وفي حالة إنسانية
فريدة، حتى ردود أفعال أطفالنا، ضحايا تربيتنا غير السليمة، وأسرى سياسة مؤسسات
الحاكم العربي التربوية وحواضن حزبه، تكاد لا تتجاوز  في عرض لا يناسبهم سوى
التململ والمشاغبة.
وبقي الحال على حاله رغم كل ما قدمته النظريات
المسرحية،ومذاهبها، منذ حوالي القرن من الزمان، من إبداع طرائق وأساليب فنية
وإبداعية وتقنية لتمتين علاقة المسرح بالجمهور، وزيادة تفاعلهما. 
ورغم ذلك بقي
حظ المسرح أوفر من السياسة، السياسة هنا والآن خاصة، موضع همنا ومجال اهتمامنا،
وذلك من جهة تقنيات وأساليب الشريك المفترض للجمهور، والتي تكاد تقتصر على زيادة
الإيهام لتدجين المواطن في حظيرة السياسي ومؤسساته، وحتى حزبه وشخصه، كممثل
مونودرامي مهووس على مسرح كبير اسمه الوطن. حتى أصاب هذا الجمهور ما أصابه من حالة
اختناق دفعته للخروج عن صمته الذي طال عقوداً طويلة، ليقدم مشاهد جديدة في فصل
حياتي أسموه الربيع، تجاوز فيها شغب الأطفال المقهورين، وقارب جرأة وصراحة طفل
أندرسن الذي فضح عري الإمبراطور بصيحته المعروفة والمدوية صدقاً: “الإمبراطور لا
يرتدي شيئاً، الإمبراطور عار”. في صيحة أكثر شجاعة، مدوية وفاعلة: 
-الشعب يريد
إسقاط النظام.
غير أن ذلك لم يكن في البدء، ففي البدء كانت الكلمة، وكانت مطالبة
الجمهور بتصحيح العلاقة بينه وبين ممثليه في مسرح السياسة، والمبنية أساساً على
سيادته هو، لا على سيادة الممثلين عنه، غير أن الفعل الوحشي المفاجئ من قبل من هم
على المنصة تجاه هذا الجمهور، أضاف للكلمة التي كانت في البدء، صفة الفعل، كما هو
الحال في أي دراما حقيقية، ليشهد العالم تراجيديا طويلة لما تنته بعد، وليستمر
العرض في مسرح حي وكبير لا يشبه في شيء سوى نفسه.  
ولأن المسرح ابن بيئته،
ومرآة مجتمعه، أصبح من الواجب على المتفرج في الظاهرة المسرحية العربية خاصة،
والمسرح في منطقتنا الشرق أوسطية، الإسراع في إيقاف المسرح الذي فك ممثلو السياسة
ومؤسساتها الحكومية عقد الشراكة بينه وبين هذا الفن، والصعود إلى الخشبة ليمثل
دوره، بعد أن فشل غالبية ممثليه عن فعل ذلك، رغم محاولات فنية متفرقة، وجادة: تسييس
وحكواتي وسامر وقوالب مسرحية عربية ..وما شابه ذلك كثير، التي قدمت عروضها، راغبة
أو مُكرهة، على سرير بروكروست الحاكم العربي، فخسرت مسرحها ولم تربح جمهورها.  
في هذا الفصل الدموي، وبعد أن أنكسر سرير الحاكم العربي، لم يبق للمسرح سوى
البدء بعملية تبادل الأدوار، وتسليم الجمهور مفاتيح العرض: عرض يعكس نبض الشارع على
منصة أو في حلقة أو حلبة ما، بشكل فني مختلف عن كل ما سبق من عروض كسولة أو موغلة
في الإبهام، جديد كل الجدة، يرتقي إلى مستوى تضحيات جمهوره وطموحاته، ولا يتخلف عن
مواكبة قضايا هذا الزمن وإبداعاته: فنياً وفكرياً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…

احمد مرعان مقولة الممثل السوري نهاد قلعي رحمه الله ( نهاد قلعي ) في مسلسل صح النوم ” كي نعلم ما في إيطاليا يجب أن نعلم ما في البرازيل ” تجسد الواقع العالمي الجديد وفق معطيات تكرس الحقيقة بوجهها الصحيح ، لما آلت إليه العلاقات الدولية بتفسير الحقائق طبقا للمصالح .. تشهد سوريا منذ أكثر من عقد ونصف تحولات عميقة…

د. محمود عباس من فمٍ إلى آخر، قد تتحول اللغة الكوردية من موسيقى عذبة تطرب لها الأذن، إلى صوتٍ نشاز تتأفف منه النفس. ولا يعود ذلك إلى اللغة ذاتها، فهي لغة رشيقة، دافئة، ومشحونة بذاكرة شعبٍ طويل العناء، بل إلى الطريقة التي تُنطق بها، وإلى مقدار ما بقي فيها من نقائها، أو ما علق بها من لغات الدول التي احتلت…