مخرجات واعدة ووفد غير فعال

مسلم شيخ حسن – كوباني

شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً والكرد خصوصاً . وتجلى ذلك في المطالب الخمسة عشر ذات البعد الوطني، فضلاً عن المشروع الكردي ذي النقاط الإحدى عشرة.

إلا أن هذه الصيغ الطموحة، رغم ما حملته من لغة سياسية متقدمة سرعان ما فقدت جدواها العملية بفعل الإخفاق الواضح للوفد المنبثق عن الكونفرانس والذي عجز عن الاضطلاع بأبسط المهام السياسية التي أُنيطت به. لم تكن المشكلة في مستوى الطرح بل في غياب القدرة – أو ربما الإرادة – على ترجمتها إلى إجراءات سياسية ملموسة.

  • على الصعيد الكردي، كانت أوجه قصور الوفد واضحة وغير مبررة. ففي الوقت الذي تعرضت فيه مناطق كردية، مثل كوباني ومحافظة الحسكة، لهجمات عسكرية دموية خلفت مئات الضحايا وآلاف الجرحى إلى جانب موجات نزوح ودمار واسع النطاق لم يسجل للوفد أي موقف سياسي فعال يتناسب مع حجم الكارثة. لم يكن هناك صوت سياسي موحد ولا مبادرات ولا حتى بيانات مؤثرة، ما يعكس حالة من الشلل السياسي الكامل، لا يمكن تفسيرها إلا بفقدان التوجيه أو بخلل بنيوي.

أما على الصعيد الوطني في سوريا، فقد بدا أداء الوفد أكثر هشاشة. إذ أخفق في فتح قنوات اتصال جادة مع الحكومة السورية الانتقالية ولم يتمكن من طرح مخرجات الكونفرانس على طاولة النقاش السياسي. ولم يقتصر هذا الفشل على عدم تحقيق نصر سياسي فحسب بل إن الغياب المطول لاستراتيجية واضحة للعلاقات مع القوى الوطنية الأخرى هو ما همش دور الوفد وأفرغه من مضمونه التمثيلي.

تتجلى ملامح هذا الإخفاق بشكل أكبر من خلال تحركات فردية قامت بها بعض المشاركين في الكونفرانس نحو دمشق وهو مشهد يعكس تشتت عملية صنع القرار السياسي وانعدام التنسيق الداخلي. هذه الزيارات، التي لم تسفر عن أي نتائج ملموسة، كشفت بوضوح أن الوفد لم يكن إطاراً فاعلاً بل مجرد إطار شكلي يفتقر إلى وسائل التأثير.

على الصعيدين الإقليمي والدولي، يكتمل مشهد الإخفاق. لم يبادر الوفد إلى فتح أي قنوات اتصال مع الدول العربية أو الجهات الدولية الفاعلة، لا لشرح نتائج الكونفرانس ولا لعرض الانتهاكات التي عانت منها المناطق الكردية. لا يمكن اعتبار هذا الغياب عن الساحة الدولية مجرد إهمال بل هو إهمال جوهري لوظيفة التمثيل السياسي واهدار لفرصة كان يمكن أن تسهم في تدويل القضية أو على الأقل وضعها ضمن أولويات الاهتمام الدولي.

يكشف تحليل دقيق لما بعد الكونفرانس بوضوح أن الفجوة بين الخطاب والواقع لم تكن عرضية، بل بنيوية. فالوفد، الذي كان من المفترض أن يكون أداة لتحقيق النتائج، تحول إلى عائق حقيقي بسبب عجزه عن المبادرة وفشله في التنسيق وافتقاره إلى رؤية سياسية عملية.

وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار ما حدث مجرد انتكاسة مؤقتة بل فشلاً سياسياً ذريعاً يثير تساؤلات جدية حول معايير تشكيل الوفد وآليات عمله ومدى أهليته لتمثيل تطلعات شعب ضحى كثيراً من أجل قضيته. إن استمرار هذا الوضع دون تقييم جذري لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الفشل وتكراره في المراحل اللاحقة، ما لم يرس المسار على أسس أكثر متانة وفعالية.

26 / 4 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…